للدكتور محمد مندور
بدا لي أن أكتب عن الرقص، وذلك أملا مني في تقويم الأخلاق، وقد يلوح هذا غريبًا، فكيف نقوم الأخلاق بالحديث عن الرقص، ومع ذلك فهذا حق، فالرقص ونقصد به الإيقاعي والتعبيري، لا الرقص الشرقي طبعًا، يورث من يزاوله من رجال ونساء قوة في الجسم تحرر النفس من آفاتها
وقديمًا حرص سقراط الشيخ على أن يتعلمه ليقلل من قيح جسمه المنبعج، ويقوي من ضعفه، فقال لأصدقائه وتلاميذه وقد اجتمعوا يومًا بمنزل أحدهم غلام يعلم الرقص: (أتضحكون مني لأني أريد برياضة جسمي أن أتعهد صحتي فأمتنع بأكل هنئ ونوم سليم؟! أتضحكون لأنكم تعتقدون أن شيخًا مثلي لن يصاحب مدربًا رياضيًا إلى الخلاء فيعري جسمه أمام الجماهير، بل يقنع بغرفة طعام كهذه التي يكتفي بها هذا الغلام؟! أتضحكون لأني سأتدرب في الشتاء تحت السقف وفي الصيف تحت الظلال إذا اشتدت حرارة الشمس؟! أم تضحكون لأنني رحت ببطن كبير إلى حد ما فأردت أن أرده إلى الحجم معقول!؟)
وفي هذا يقول شاعر الإغريق أنا كريون. (عندما يرقص الشيخ لا ترى فيه عجوزًا غير شعره، وأما روحه فلا تزال فتية)
والرقص كما هو رياضة للجسم رياضة للروح، وذلك لأنه يغذيها بشعورين لهما أثر عظيم في الحياة، وهما الشعور بالمرح ثم الشعور بالجمال. وليس من شك في إن هذين الشعورين من أضعف المشاعر عند الشرقيين، حتى لأحسب أن جانبًا كبيرًا من ضعف النفوس الذي نشكو منه يرجع إلى الحزن الذي ينزل الخراب بالقلوب، كما أن الإحساس بمعنى الجمال ومعاييره الصادقة يكاد يكون منعدمًا. والنفس الحزينة لا تعرف الثقة والتفاؤل. والحس الذي لا يدرك الجمال لا يحجم عن الخسيس من الأمور.
ولو أنك قارنت بين الرقص الشرقي والرقص الغربي لأدركت الفارق بين المشاعر التي يثيرها كل منهما، فالرقص الشرقي رقص تمرد جسمي، حركاته زوايا لا منحنيات، وهو إثارة للغريزة الجنسية فحسب، وإما الرقص الغربي فإيقاع وتعبير، وهو في أصح أوضاعه