للأستاذ نقولا الحداد
البلاغة في اللغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته. والفصاحة هي سلامة الكلام من التنافر والتعقيد ومن الألفاظ المهجورة والوحشية. واللغة العربية لا تختص بهذا التعريف وحدها، بل هو تعريف البلاغة في كل لغة، لأن البلاغة عمل عقلي أكثر مما هي أداة كلامية. وهي منطق أكثر مما هي فن تعبير. بل هي فلسفة أكثر مما هي قاعدة بيان
إذن فأركانها صحة العقل وصفاء الفكرة وجمال الذوق واتساع المعرفة وطاعة الكلم للسان والقلم. فإذا اجتمعت هذه في القائل أو الكاتب في أية لغة كان كلامه بليغًا
أما صحة العقل فأساس المنطق لتطبيق القول على المعنى المراد بغية إقناع السامع أو القارئ بصواب القول وارتياح النفس إليه
وأما صفاء الفكرة فأساس البيان لأنه لا يمكن أن تقيم بناء بيان على فكرة مضطربة مقلقلة، ولا يمكن أن يفهم السامع أو القارئ ماذا يعني القائل بكلامه المضعضع. ولا يمكن أن يتم الاتصال بينهما على وثيقة
وجمال الذوق لابد منه لتبليغ الكلام البليغ إلى ذهن القارئ أو السامع أو إغرائه بمعناه وتغذية العقل بمعرفته. فإذا خلا البيان من الذوق الجميل كان منفرًا. وإذا غنى به كان جذابًا ساحرًا. وإن من البيان لسحرًا
والمعرفة مادة الكلام. هي الجواهر التي يصاغ منها الكلام البليغ. فالكاتب الذي يكتب في موضوع بضاعته فيه قليلة أو ضئيلة أو سقيمة لا يصوغ إلا فقاقيع زبد لا تلبث أن تذهب أمام استكناه معناها ذهاب الرغاوة مع الريح. يجب أن يلم الكاتب إلماما كبيرًا بما يكتب لكي يستطيب القارئ بلاغته وإلا مله لأول فقرة ونبذه
بقي أنه لابد للكاتب أو المتكلم أن يكون قائمًا على كتب اللغة وان تكون الكلم الفصاح في متناول يده يختار منها أليقها لمكانها في الكلام وأوقعها في المسامع وأدمثها للأذهان، ويجب أن يعلم الكاتب أن لكل مقام مقالا وأن لكل قوم كلاما موموقا وأن لكل زمان ألفاظا مأنوسة. فما أقبح أن يخاطب المتكلم أو الكاتب أناسًا بألفاظ غريبة عنهم أو ناشزة في مسامعهم أو بعبارات معقدة تستكد أذهانهم