للأستاذ صلاح الدين المنجد
لن تجد صاحب شغف يتسقط أسرار الأدباء، ولا طُلَعةً يتحسس أخبار القراء مثلي. ولا أعرف منهلًا أحلى رشفًا، وأكثر رّيًا، وأبلغ عظة من هذه الأسرار، فهي إن لم تهذب وتحذّر تلذ وتهز. وقد تجد فيها ما ترومه. وقد تلتبس عليك الأمور فلا تجد شيئًا. لأن بعض الأدباء يخفون عمدًا أسرارهم الصحاح، ويوهمون الناس أسرارًا أخرى مزيفات، أو يلوذون بالصمت، فيلصق الناس بهم أشاوي لا عهد لهم بها، ولكنهم يرضون عنها، فالمهم أن يكونوا أحدوثة القوم وسمر المجالس. وما عليهم بعد ذلك إن صح ما ينسبون إليهم، أو بطل، ولكن ما رأيك إذا عثرت على طائفة من رسائل نفر من الأدباء، رسائل الأصدقاء إلى الأصدقاء، التي يفضي بها الإنسان بدخيلة أمره ومكنون سره ومضنون شكوه؟ إنها اعترافات لا يشوبها زيف ولا يعتريها بطلان، فلتقرأ أنموذجات منها ولننظر ماذا نلقي فيها.
ديموندفلاور أديب إنكليزي معاصر؛ شغف بتتبع أسرار الأدباء. فانتخب نهاد المائة رسالة، رسائل الأدباء من أيام شكسبير حتى أيام لورنس، أعني منذ منتصف القرن السادس عشر، إلى هذه الأيام. فأخرجها في كتاب فخم طريف سماه (في اقتفاء أثر الشعر) نقلوه إلى الفرنسية في فجر هذه الحرب وسموه وهو كتاب يغنيك عن ألف كتاب، وسفر لا يحوجك، لكي تفهم ما فيه، إلى كثير من العناء. يصور لك من خلال الرسائل أولئك القراء فترف حولك أطيافهم، وتتمثل في خاطرك أحاديثهم، وتراهم بقلبك، فتحسب أنك معهم ثم تشعر بعد هذا أنك صديق لهم، تحبهم ويحبونك، وتؤثرهم ويؤثرونك، فيفضون إليك بدخائلهم وأسرارهم، ويطلعونك على آرائهم وأفكارهم، بل قد تعلم هجسات قلوبهم ونجويات خواطرهم. وقد تجد فيهم لطفًا وعطفًا، وقد تلقى قسوة وخشونة. ثم إن شئت بعد ذلك أن تعرف شعرهم وطبعهم عليه، ونثرهم وبراعتهم فيه فذلك طوع يديك.
يقول فلاور في مقدمة الكتاب: لا تخدع نفسك أبدًا، ولا تجهد كثيرًا، ليس لديك وسيلة لمعرفة جوهر الشعر، والنفوذ إليه، والوقوف عليه، سوى القراءة. ينبغي أن تقرأ شعر الشاعر مرة ومرة، ثم تعيد قراءته مثلها، وقد تصل في النهاية إلى ما تريد. ولكن إذا