للدكتور محمد مندور
لاقيت في هذا الأسبوع ثلاثة من مفكرينا: أحدهم وجهًا لوجه، وبيدي مقال أستعرض فيه ما نشكوه اليوم من مظاهر الانهيار الأخلاقي، وألتمس علاجًا لهذا الانهيار في إصلاح نظمنا السياسية والاجتماعية، علما مني بأن التربية وبث مبادئ الأخلاق في النفوس لا تكفي وحدها لتقويم النقص. ولقد أخذ محدثي على المقال ما فيه من قسوة، وعنده إنه من الخطر أن نجسم للشعب مواضع ضعفه، لأن ذلك التجسيم قد يزيده ضعفًا، وأنه لأجدى على هذه الأمة أن نحاول رد الثقة إليها، حتى ولو لم تكن تلك الثقة على أساس سليم، وأما فضح العيوب، فذلك ما لا ينبغي. وأضاف، وهو من ذوي الأمر، إنه كثيرًا ما يتجاهل مواضع الضعف الأخلاقي فيمن يعملون معه، ويردهم إلى الأخلاق، وكأنه يستمدها من نفوسهم ذاتها، فإذا نقل إليه أحدهم قيلة سوء، فسرها على إنها قيلة خير، محاولًا حمله على أن يكون إلى الخير قصده، وعنده أن ذلك أجدى في معالجة النفوس من هتك ضعفها وأخذها بالقسوة
ساقني هذا الحديث إلى النظر في الحكم على الشعب المصري ووجوب مهاجمته بالحقائق أو سترها عنه، واتفق أن قرأت في هذا الأسبوع كتابين لمؤرخين من رجالنا، فلاقيتهما على صفحات ما كتبا، ولمست عند كل منهما اتجاهًا في الحكم على الشعب المصري يغاير اتجاه الآخر. فأما أولهما، فقد استلفت نظري حكمه في بعض مواقفه التاريخية، حكمًا لا يخلو من صرامة، حتى لقد وقع في نفسي موقع السيف، وخشيت أن يكون صحيحًا، ولأضرب لذلك مثلين: الأول تفسيره لاستقرار الحكم وازدهار المدنية أيام الظاهر بيبرس وغيره من المماليك، برغم ما كان في حكمهم من شدة وعسف بقوله تفسيرًا لخضوع المصريين وعدم ثورتهم للحرية: (إن ثمن الحرية - كما يقول الإنجليز - هو الكدح والدأب والمراقبة، ولما كانوا(أي المصريون) يكرهون النصب أكثر مما يحبون الحرية، فقد عاشوا يستبد بأمرهم كل ذي همة وعزيمة)؛ وفي قوله: (إنهم يكرهون النصب أكثر مما يحبون الحرية) ، ما يملأ النفس رهبة، فتود لو لم يكن حقيقة. وفي موضع آخر يفسر نفس الكاتب سخط الشعب المصري على الفرنسيين وثورتهم ضدهم أيام الحملة الفرنسية بمجرد