الأسلوب
لعل ما عرضته عليك من إجمال القول في البلاغة كان توطئة لتفصيل
الكلام في الأسلوب. ذلك لأن الأسلوب هو مظهر الهندسة الروحية لهذه
الملكة النفسية، يبرزها للعيان، ويصل بينها وبين الأذهان، وينقل أثرها
المضمر إلى الأغراض المختلفة والغايات البعيدة. وكتب البلاغة في
لغتنا لم تُعن إلا بالجمل ومل يعرض لها في علم المعاني، وإلا بالصور
وما يتنوع منها في علم البيان؛ أما الأسلوب من حيث هو فكرة
وصورة معًا فقد سكتت عنه سكوت الجاهل به. وكان الظن بمن خلفوا
عبد القاهر وأبا هلال وابن الأثير أن يفطنوا إليه بعد ما دلوهم عليه
بذكرهم بعض خصائصه الفنية وصفاته اللفظية، وإن كان ما ذكروه من
ذلك جاء فطيرًا لم يختمر، وخديجًا لم يكتمل، وشائعًا لم يحدد، ومشوشًا
لم يرتب؛ ولكنهم صُّموا عن تنبيه العسكري، وعموا عن توجيه
الجرجاني، ومضوا على نحائزهم الأعجمية يفلسفون النحو والبلاغة لا
لشيء غير الفهاهة والحذلقة. والأسلوب كما قال لهم ابن خلدون في
مقدمته: (لا يرجع إلى الكلام باعتبار إفادته أصل المعنى الذي هو
وظيفة الإعراب، ولا باعتبار إفادته كمال المعنى من خواص التركيب
الذي هو وظيفة البلاغة والبيان. . . وإنما يرجع إلى صورة ذهنية
للتراكيب. . . وتلك الصورة ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب
وأشخاصها ويصيِّرها في الخيال كالقالب والمنوال، ثم ينتقي التراكيب
الصحيحة عند العرب باعتبار الإعراب والبيان فيرصها فيه رصًَّا كما