نظام الزكاة في الإسلام
وهل روعي فيه العدل
للسيد علي حسين الوردي
ذكرت في مقالي السابق أن الضرائب المباشرة لم تكن معروفة لدى الأمم القديمة إلا نادرًا، إذ أن النضوج السياسي لم يكن قد وصل بالناس إلى تلك الدرجة التي يستسيغون فيها دفع ذلك النوع من الضرائب
لم يكن الفرد، في الزمن القديم، يعتبر الحكومة تمثله أو تمثل مصلحته العامة؛ إنما كان على العكس يرى فيها عدوه الأكبر الذي لا هم له إلا ابتزاز أمواله وامتصاص دمه من غير منفعة محسوسة تأتيه من وراء ذلك، ولهذا فقد كان الفرد يعتبر الضريبة عبئًا ثقيلًا ينبغي التهرب منه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. ولم يكن جباة الملك يجرءون إذ ذاك أن يفرضوا الضريبة المباشرة على أموال الناس أو إنتاجهم حيث تجبي منهم حقًا مشروعًا كما هو الحال في هذا العصر، فجل ما كان الجباة يعملونه هو أن يقفوا عند مدخل البلد ليقتطعوا من التجار والفلاحين جزءًا مما يحملون على أنها حصة الملك جزاء حمايته إياهم أو سماحه لهم بتكسبهم في البلاد التي هي تحت سيطرته
هذا ولا ريب في أن في مثل هذه الضريبة غير المباشرة ظلمًا لا شك فيه، إذ أن دافع الضريبة يستطيع عادة أن يحول عبئها إلى عاتق غيره، فإذا دفع التاجر مثلًا جزءًا من بضاعته إلى الحكومة أدخل ذلك غالبًا في حساب تكليف البضاعة وأضافه إلى سعر البيع ليتحمل المشترون عبء الضريبة. وفي هذا يتمثل الظلم، لأن معظم الضريبة تقع حينئذ على كواهل الفقراء إذ أنهم هم معظم المستهلكين للبضائع ملابس وطعامًا. . . هذا بينما يدفع الأغنياء قسطًا ضئيلًا من الضريبة لا يتناسب مع ثرواتهم الطائلة. ولا مراء في أن ما نراه من تعسف في هذا النوع من الضرائب، لا يوجد إلا قليلًا في الضرائب المباشرة، لأن النسبة فيها تؤخذ ضخمة من الأغنياء، صغيرة من الكادحين، وحيث يعامل فيها كل فرد حسب مقدرته وظروفه الخاصة. وقد يُعفى منها كثير من الناس الذين كانوا يدفعون