ملكًا بعد ذلك على الأرجح، فما يبقى بعد الاعتراف لبلاده بالاستقلال ما يحول دون اتخاذه أي لقب يشاء بإرادته الحرة.
ولا ريب أن الاعتراف باستقلال شرقي الأردن سيكون خطوة لها ما بعدها، وقد يعفى - أو لا يعفى - بريطانيا من العون المالي الذي تبذله له كل عام، فإنه بلد فقير إلى الآن، وقليل عديدة، وإن كان من أطيب البلاد وأكثرها كنوزًا، وسيحول استقلال شرقي الأردن دون امتداد الصهيونية إليه ودخولها فيه، وكان ذلك مطمعها، وقد سخطت ونقمت لما أذيع الوعد بالاستقلال، وعدت هذا غدرًا من بريطانيا بالصهيونية، لأن الصهيونية تعد البلاد العربية كلها والشرق الأوسط أجمعه مجالًا حيويًا لها، كما كان (هتلر) يعد شرقي أوربا وشرقيها الجنوبي مجالًا حيويًا له أو للرايخ. على أني لا أظن إلا أن هتلر كان تلميذًا لليهود، فقد أخذ عنهم (العنصرية) وأسرف فيها كإسرافهم الذي كلف العالم - ويكلف العرب الآن - شططًا.
ونحن نعرف معنى الاستقلال في معجم السياسة البريطانية، وما يحتاج الاعتراف باستقلال بلد ما، إلى شروط، فإذا احتاج فالشروط ولا شك قيود، وتدلنا التجربة على أن بريطانيا قد أعدت لاستقلال شرقي الأردن شروطًا تجعل لها نفوذًا فيه وسلطانًا عليه، وتخولها اتخاذ مطارات - على الأقل - في أرضه، على نحو ما صنعت في العراق. بهذه الشروط - كائنة ما كانت، وفي أي قالب صبت - يدخل شرقي الأردن في منطقة النفوذ البريطاني.
ومثل هذا الاستقلال لا يعد تامًا، ولا حقيقيًا، ولا وطيدًا، وقد رأينا ما آل إليه استقلال العراق واستقلال مصر، وعرفنا حقيقة الأمر في البلدين، ولن يكون شرقي الأردن أجزل حظًا، فإن الاستقلال (يؤخذ ولا يعطى) كما قال المرحوم الملك فيصل في خطبة له بالشام بعد أن دخلها في أخريات الحرب العالمية الأولى على رأس الجيش العربي، فإذا أعطى فهو منحة، والمنحة تكون بقدر.
ولكن هذا الاعتراف سيكون خطوة على كل حال، لها ما بعدها كما أسلفنا، وبه يستفيد البلد قدرًا من الحرية تتيح له أن يتجه وجهته إلى حد ما، وتشجعه على الأمل والتطلع والسعي، وتغير ما به تغييرًا غير هين، ومن المحال بعد أن ينعم بهذا القدر من الحرية أن يُسلبه، بل الطبيعي أن يتسع النطاق، فتصدع القيود شيئًا فشيئًا على الأيام. وتلك سنة الحياة، فلا وقوف ولا رجوع. وهل تكف الأيام عن الدوران، وسن الإنسان الحي عن الارتفاع؟ أو هل