أن ترى شيئًا من (السماعيُات) التي تسمع وتقرأ عنها في هذه الأيام؟ ودس يده في جيبه بعناية، فأخرج قلمًا ثمينًا من (ماركة) مشهورة، فتناولته من يده، وأجريته على القرطاس، فجرى لينًا، يكاد يجر اليد إلى الكتابة جرًَُا. . . بل يكاد يمتح من القريحة متحًا. . . فرددت بصري بين وجه صاحبي الظافر. . . وبين القلم الذي يقول لي: هيت لك! ثم رجع البصر إليُ خاسئاُ وهو حسير. . . وأعجلني صاحبي - سامحه الله - في رد قلمه، وهو مغتبط بالحديث عنه قائلًا:
-أتدري ما ثمن هذا القلم؟
-أعلم أنه يباع في السوق بثمن خمسة عشر جنيهًا، فمن لك به. . .؟
-أحضره فلان من أمريكا بمائتين وخمسين قرشًا!
عجبًا قلم يصنعه الصانع في أمريكا، يشتري مواده، ويحليه بالذهب، ويبذل فيه بارع فنه، ثم يشتريه التاجر هناك ليبيعه بربح، فيكون الثمن بعد كل هذا مائتين وخمسين قرشًا، فإذا ما جاء إلى مصر بلد العجائب صار ثمنه خمسة عشر جنيهًا. . .! يا ضيعة المنتج والمستهلك بين أظفار التاجر!
ولقد كنا نلتمس الأسباب لغلاء المستورد من الخارج إلى مصر، ونحار لما يدعو إلى غلاء لحمها وسمنها وفومها وعدسها وبصلها. . . فإذا الحيرة تتردد بين هذا وذاك، وتجول هنا وهناك، كما يجول الكلب الشرطي، وتتشمم كما يتشمم، فتكاد تمسك بالتاجر، وأنى لها أن تنال منه وقد أنتفخ وبدا (سمين الضواحي) فلا تملك إلا أن تردد ما قال شوقي في غلاء ما بعد الحرب التي قبل الماضية:
عبادك رب قد جاعوا بمصر ... أنيلا سقت فيهم أم سرابا
حنانك واهدِ للحسنى تجارًا ... بها ملكوا المرافق والرقابا
ورقق للفقير بها قلوبًا ... محجره وأكبادًا صلابا
أمن أكل اليتيم له عقاب ... ومن أكل الفقير فلا عقابا؟!
أصيب من التجار بكل ضارٍ ... أشد من الزمان عليه نابا
يكاد إذا غذاه أو كساه ... ينازعه الحشاشة والإهابا
يا ولاة الأمر، إنا نستعيدكم على هؤلاء التجار، وإلا فإنا نستعدي عليكم الشعراء، فإن لم