وإن الله عز وجل لم يتعبد أحدًا بشّم صحابي ولا لعنه، بل عظم من شأنهم وغفر لهم ما أخطئوا قبل أن يخطئوا، ولولاهم لكان العرب اليوم في وثنية أو جاهلية؛ فما هذا جزاء من أنقذنا به من الضلال والفرقة وخلف لنا ملكا وماضيًا مجيدًا وتاريخًا حافلًا بكل ما يرفع الرأس ويخلد أحسن الذكر وأطيب الثناء. . . .
فرقت السياسات قديمًا أمر المسلمين وشتت شملهم، ثم عززها أهل الكيد والدس بغشهم حتى جعلوها تتغلغل في الأديان والعقائد، وصار الدين الواحد أديانًا والأمة الواحدة طوائف شتى وما الأمر كله بالذي يستدعى بعض ذلك، فلنأخذه بالتوسعة والتسامح، ولكل رأيه في السياسة وفهمه للتاريخ فلا يضيقن أحد بفهم أخيه، ولا نجعلن خلاف الرأي في السياسات الماضية (والحاضرة) والحزبيات البائدة (والحاضرة) مفرقا وحدتنا وصادعًا شملنا ومخمدًا نارنا، ولا نجعلن هذه الأحقاد والعداوات تتوارث إلى يوم الدين.
إن الأمم من حولنا كالجياع على القطاع، فلن يجدينا في موقفنا اليوم ذلك الجدل ولا تلك الفرقة، بخويصة أنفسنا ما يشغلنا عن هذا الباطل، وفي مطالب الحياة الجادة ما يلفتنا عن التفرق. . . فلنقابلها صفا واحدًا وأمة واحدة كما بدأنا الله، ولننبذ عصور الظلام وآثار الجهل وضيق الأفق بمخلفاتها جميعًا.
إن ربنا واحد وكتابنا واحد ورسولنا واحد، فلنعد أمة كما أراد الله لنا ولنبرأ من كل فتنة وخلاف وفرقة. فالظروف عصيبة ونحن على مفترق الطريق، وإننا لمحاطون بالأعداء داخلًا وخارجًا، وهم دائبون على توسع الشقة بيننا؛ فلا نعينهم على أنفسنا، ولا نضعن في أيديهم السلاح الذي يقتلنا ويجعلنا لهم طعمة سائغة.
ليت الله إذ جمع على هدى أمرنا لم يجعل للفرقة إلينا سبيلًا، ولا جعل بأسنا بيننا، وليت هذه السابقة التي هونت على الأمة الواحدة أن يقاتل بعضها بعضًا لم تكن قط.
فليت الظعينة في بيتها ... وليتك (عسكر) لم ترحل
ثم ليتنا بعد هذا كله نعتبر بما في الخلاف من ضرر بالغ في كبير أمرنا وصغيره!
سعيد الأفغاني