عن تدبر وحسن فهم (هكذا والله العظيم) !. . وهذا مبدأ على الرغم من بساطته ووضوحه كثيرًا ما أغفله الناشرون أو بالأحرى أجفلوا منه وكأين من أخطاء في تحقيق النصوص لم يكن السبب فيها إلا عدم إجادة القراءة! وليس الأمر في النشر أمر هذه المخطوطات وكثرة اختلافات القراءة؛ إنما المهم إن تقدم للناس - على أساس ما تيسر لك من مخطوطات، فلت أو كثرت أو كانت وحيدة - نصًا جيدًا يحاكي تمامًا ما في الأصول المخطوطة بعد تدبيرها تمام التدبير. فالذين مارسوا المخطوطات يعرفون أن ثمت أحوالا من إهمال النقط أو تشابك الحروف أو تقلب النفط من فوقها واضطرابها بين حروف الكلمة الواحدة أو الكلمات المتجاورات. ومثل هذه الأحوال لا يمكن أن تعد اختلافات في القراءات، إنما هي عوارض شخصية في المخطوطات، يجب أن يستقريها الناشر لنفسه أثناء قراءته الأولى للمخطوطة ثم يعين - لنفسه أيضًا - أحوال اطرادها حتى يتهيأ له جهاز تحليلي لحسن القراءة. وإلا فستكون النتيجة أن يضل القارئ إذا ما ذكر في الجهاز النقدي كل ألوان الإهمال أو الهفوات الهينة لسقطات القلم، فلا يستبين ما إذا كان بازاء اختلاف قراءة أو مجرد مخالفة خطية أو قلمية تافهة ومفهومة. ولهذا فلسنا نتردد في اتهام أولئك الذين يلجئون إلى هذه الطريقة بالعجز عن فهم النصوص وقراءتها، أو بالتمويه على القارئ بوضع جهاز نقدي ضخم محشو بهذه الاختلافات المزعومة ليدخل في روعه أن الناشر قد بذل مجهودًا هائلًا. والحق أنه لم يبذل شيئًا أكثر من جهد النسخ والمسخ معًا، دون أن يبذل أي مجهود في الفهم وتدبي المقروء. ومع ذلك تراهم يصيحون ملء أشداقهم، وتصف ألسنتهم الكذب: إن هذا هو المنهج العلمي الصحيح! مع أن الأولى بهم أن يسموه: منهج الإحصاء الآلي العاجز.
ولكم رأينا في مقارنتنا لبعض النصوص التي نشرها هؤلاء (الناشرون) المزعومون بالأصول المخطوطة التي نشروا ما نشروا عنها أن ما ادعواه (تحريفًا) أو (اختلاف قراءة) لم يكن في الواقع إلا (سوء قراءة) من عيونهم وعقولهم)!!
أنظر إن عبد الرحمن بدوي هنا يشرح لك طريقته في نشر المخطوطات، ثم يتخذ من هذه الطريقة دستورًا يأمر الناشرون بأن يعملوا به، مرتديًا ثوب الأستاذية الموجهة وسالكًا نهج مالك الحزين، ذلك يرى الرأي لغيره ولا يراه لنفسه. ترى هل يتقبل الدكتور بدوي هذه الكلمات الرائعة، هدية متواضعة؟! إنها كلماته هو، تلك التي وجهها إلى الناشرين الجهلاء.