طائر، فظن إن ما طرق أذنيه أعذب ما في العالم من ضروب الألحان!
ثم إن البرد وقف تهتانه من حوله، وريح الشمال قطعت صفيرها، وهبت على المارد من النافذة نفحة من أريج عبق جميل. فقال المارد في نفسه:
-ما أحسب أن الربيع قد جاء أخيرًا. وقفز من فراشه، فماذا رأى!
إنه لمنظر جد جميل!
أولئك هم الأطفال الصغار، قد دخلوا البستان من خلال ثقب صغير وجدوه في أحد الجدر واعتلوا الأغصان وبقوا هناك جالسين. وقد ابتهج الشجر بمقدمهم فأورق، وماس على رؤوسهم في حب وحنان، وكانت الطير تشدو حينًا وتطير حينًا في جذل وابتهاج، والزهر يرنو إلى ذلك بسام الثغور من بين الأعشاب.
-إنه حقًا لمنظر بهيج!
ولكن الشتاء لما يبرح تلك الزاوية القصية التي وقف فيها أصغر الأطفال يعول طيرًا، ويطوف بما حوله طورًا آخر، والشجرة المسكينة بقربه ما تزال شاتية. . إن ذلك الطفل لم يتمكن من الوصول إلى الغصن لصغره؛ وكانت الريح الشمالية تعصف حوله، والشجرة تنحني له ما استطاعت وتدعوه قائلة:
-تسلق أيها الطفل الصغير. . . ولكنه لي يقدر على شيء من هذا!!
.. . وأدركت المارد عليه الشفقة حين رآه فقال:
-ألا ما كان اشد إيثاري لنفسي! لقد عرفت الآن سبب انقطاع الربيع من المجيء إلى هنا. . . سأذهب إلى ذلك الطفل فأضعه على الشجرة، ثم أنثنى على الجدار فاهدمه واجعل من بستاني هذا ملعبًا وقفًا على الأطفال حتى الأبد. . . واشتد اسفه على ما اكن بدر منه.
ثم إن المارد نزل وفتح بابه في هدوء وسار في بستانه؛ ولكن ما أن رآه الأطفال حتى هربوا، وعاد الشتاء إلى البستان من جديد! ولكن صبيًا واحدًا منهم لم يهرب، ذلك هو الصغير الذي ملأت عينيه الدموع لما رأى المارد قادمًا إليه.
وتسلل المارد إلى الطفل ورفعه بلطف فأجلسه على الشجرة فما كان أسرعها حين أورقت وأزهرت، وما كان أسرع الأطيار حين تساقطت عليها مغردة حائمة حول الصبي الصغير الذي كان يحولها عنه إلى عنق المارد مسرورًا، ثم انحنى الطفل على المارد فقبله، فلما