ترعرع بين الفترات المظلمة التي خلفتها وتخلفها الحروب البربرية!
ولما كانت هذه الحروب ذات تأثير سيئ على المجتمعات من حيث شكلها ومادتها، ولما تحدثه فيها من انعدام النظام وتفشي الفوضى والأمراض المختلفة بين السكان، كان معنى ذلك أن الفرد أخذ يحس إحساسًا قويًا بانعدامه في هذا الوجود المجنون، كما أنه بات لا يشعر قط بوجوده، ولأجل ذلك أخذت فكرة انغماس الفرد في ذاته، وسعيًا لتحقيق رغباته، ذلك السعي الذي جعل منه إنسانًا (بوهيميا) يعيش لنفسه في جو من الخلاعة والدعارة، كأنه يريد بذلك أن يثبت وجوده (بسلوكه الشاذ) على طبيعته وطبيعة الكائنات المخلوقة الأخرى، وهو بذلك يسلك الطريقة الشائعة (خالف تعرف) . هذا من ناحية، أما النواحي الأخرى التي أوجدتها ظروف الحرب، هو الكبت الجنسي الحاصل عند الجنود من جراء بعدهم عن المرأة في ميادين القتال، ولعل هذا البعد يستغرق سنوات طويلة في هذه العزلة الكئيبة التي تخلف في نفوسهم رد فعل عنيف لا يستطيعون معه كبت عواطفهم، وكثيرًا ما أدى هذا الكبت إلى انتشار الشذوذ الجنسي بين المحاربين.
كل ذلك أثر من آثار الحروب المدمرة! ولعلنا أدركنا وندرك كم من الحضارات الزاهرة اندثرت! وكم من المدن النضرة أصبحت أثرًا بعد عين! وكم من المجاعات الفظيعة انتشرت تأكل بعضها بعضًا، وكم من الحدائق الغناء والمروج الجميلة أضحت أرضًا جرداء لا ماء فيها ولا زرع! بغض النظر عن الكوارث الجسيمة التي يصاب بها المجتمع البشري والتي أوردت بملايين من العوائل إلى البغي والإثم! من جراء الفقر وغزو الفاتح لها. . .
ولعلنا أيضا لم ننس ما حل في أوربا وخاصة في الحربين العالميتين (1914 و1939) من تهتك الفاتحين بعضهم لبعض، وكيف أن الجنود الأمريكيين والإنكليز كانوا يحصلون على بغيتهم من الفتيات العذارى بقطعة من (الشكولاته) أو غيرها.
هذه صورة مصغرة لما حدث ويحدث من جراء هذه الحروب الوحشية!
فلا غرابة إذًا من ظهور مذاهب انحلالية تدعو جهدها لإقامة (الدهاليز الأرضية) وهي ملاجئ تمثل فيها أبشع ما تصوره الغريزة من همجية!
كما أنها تدعو ضحاياها للعيشة الهمجية كما يصوره لها عقلها الباطن (اللاشعور) وكما