كل صوب، وأنفقنا على ذلك الأموال الطائلة، وتخرج من معاهدنا ألوف الشبان، فماذا كانت النتيجة؟ النتيجة فشل لم يكن في الحسبان: فأولئك الشبان يزيدون على حاجة البلاد، وتعليمهم ناقص مشوّه، وأخلاقهم لا تحمد، والتعليم عامة يتقدم في طريق الضعف والانحلال سنة بعد سنة باطراد
ذلك بأننا أخذنا بمبدأ الديمقراطية في التربية مطلقًا غير محدود، وهو مبدأ غير طبيعي ولا يصلح به وحده مجتمع ولا نظام، وإنما المبدأ الساري في الطبيعة هو مبدأ الانتخاب: فالأصلح في الطبيعة هو الذي يرقى ويسود؛ وقد فطن إلى ذلك أول الشعوب أخذًا بالديمقراطية في حياتهم الاجتماعية ونظمهم الحكومية، وهم اليونان: فديمقراطية أثينا لم تكن في الواقع إلا أرستقراطية إذ تذكرنا أنه كانت بها دائمًا طبقتان ممتازتان غير متساويتين في الحقوق والواجبات: طبقة الأحرار وطبقة العبيد. ولما بحث فلاسفة اليونان الكبار في النظم الحكومية لم يؤثر واحد منهم الديمقراطية المطلقة، ومالوا إلى الأرستقراطية لأنها هي النظام الطبيعي؛ وحين عالج أفلاطون التربية وضع لها نظامًا أرستقراطيا قائمًا على مبدأ انتخاب الأصلح، لا ديمقراطيًا على مبدأ المساواة التامة: فجعل التعليم على ثلاثة مراحل يتمتع الجميع بالأولى منها ولا يرتقى إلى الثانية فالثالثة إلا من أظهروا استعدادًا طبيعيًا لذلك، ومن المرحلة الأولى يتخرج أرباب المهن اليدوية، ومن الثانية يتخرج المقاتلون، ومن الأخيرة الفلاسفة والحكام
فالطبيعة لم تجعل أبناءها متساوين في المواهب، بل هي ترفع بعضهم فوق بعض درجات، ومادام هذا كذلك فسيظل في كل مجتمع في كل عصر طبقات متفاوتة، ولن ترقى أمة إلى أن تعترف ضمنًا بالتفاوت بين هذه الطبقات، والغفلة عن هذا التفاوت خطأ قاتل
وأشهر الشعوب بالديمقراطية في العصر الحديث الإنجليز، ولكن من يتأمل في حياتهم يرى أن ديمقراطيتهم أرستقراطية كديمقراطية أثينا: فالفوارق بين طبقات النبلاء والأوساط والسوقة قائمة محددة يشعر بها أفراد كل طبقة، والنبلاء يترفعون على من عداهم ترفعًا شديدًا، والآخرون ينظرون إليهم نظرة رهبة وإكبار، حتى لتكاد تكون طبقة النبلاء هذه أمة داخل أمة؛ وهذا الشعور باختلاف الطبقات والتسليم به والاعتراف بالأمر الواقع دليل على نزعة الإنجليز العملية، وهو هو سر صلابة بنيان نظامهم الاجتماعي والحكومي، وخلوّ