يصنع منهم حطب جهنم، فما بشر من الناس إلا شيطانه يسعى بين يديه. . .
ثم هو في موقفه ذاك تتناثر من حوله لعنات الناس سواء منهم طائعه وعاصيه. وتصك أذنيه من مكان سحيق زفرات عباده في نار جهنم تكوى جباههم وجنوبهم بما أغواهم الشيطان وأضلهم سواء السبيل!
ولأول مرة استشعر إبليس لذع الندم فدمعت عيناه. . .!
يا لها من سخرية. . . إبليس يتوب. . .! لقد كفاه ما اقترف منذ هبط من السماء انتقامًا لكبريائه التي زعمها ديست يوم أمر أن يسجد لصلصال من حمأ مسنون!
أكانت توبة نصوحًا، أم مبالغة في الانتقام، أم هو يشتهي أن يعيش بشرًا بين البشر عمرًا من عمره، ليذوق بعض لذّات البشرية، ويرى بعيني حسه كيف يفتتن بها الناس جميعًا منذ كانوا فتسرع بهم شهواتهم إلى طاعة الشيطان. . .؟
وطلع إبليس على الأرض فتى وسيمًا يمشي على قدمين مشي الناس. وشعر لأول ما لبسته البشرية أنه جائع، فعاجَ على ندى ساهر له به عهد، لأنه هو الذي أنشأه وأقامه حجرًا على حجر، وطالما قضى الليالي ذوات العدد من حيث لا يراه الناس؛ ينفث الشر، ويبذر بذور الخطيئة، ويفتن في وسائل الإغواء. . .
كانت مصابيح الندى ترمي أضوائها إلى بعيد، وتمد من أشعتها شركًا بصيد الناس ويأخذ عليهم طريقهم؛ وكان كل ما ينبعث منه يشعر أن هناك حركة وعملًا يغريان من يلتمس إرضاء شهواته. . .
ولكن. . . ولكن ها هو ذا إبليس يصعد الدرج في أناة ورفق، ويدفع الباب في هدوء وخفة، ويخطو إلى البهو في سكون وحذر، فيرى، ولكنه يرى أجسادًا لا تكاد تتحرك، ويسمع، ولكنه لا يسمع إلا مثل أنفاس النائمين؛ ويشهد، ولكنه لا يشهد إلا عيونًا محدقة في الفضاء تتأمل. لم يكونوا سكارى ولا مغيبين، ولكن فكرة واحدة كانت تسيطر عليهم جميعًا، فكرة بين السخط والرضى، وبين الندم والاستغفار!
وجلس الشيطان إلى مائدة وحده وطلب طعامًا، وراح يدير عينيه فيما حوله ومن حوله، ويتسمع نجوى الضمائر الخفية تهمس في أعماق أصحابها
ورأى مائدة خضراء مبسوطة، قد تناثر عليها هنا وهاهنا نقد وورق، ورأى كؤوسًا فارغة