قضى ستة أعوام هادئ النفس في الجامعة يقوم بتدريس اليونانية، وهو خلال هذه الأعوام كالمقيد بصحبة أصدقائه لا يخرج من حلقتهم، وهؤلاء الأصدقاء هم زملاؤه وبعض رفاقه، أضف إلى ذلك بعض زيارات متتالية إلى منزل الفنان (فاجنر) . وقد كان يختلس بعض الفرص فيذهب في بعض سياحاته القصيرة إلى البحيرات والجبال، ولم يعكر عليه هذا الهدوء إلا إعلان الحرب السبعينية، فهجر الجامعة وتطوع في الجيش الألماني، ولكن صحته خانته، فاضطر إلى العودة مريضًا، وأعظم ما قام به من الآثار الأدبية خلال هذه الفترة كتابه (نشوء المأساة) ونقده للحضارة الحديثة. في الكتاب الأول يعالج نبوغ اليونان وعبقريتهم المختلفة في الفنون، وفي الكتاب الثاني يعرض (تأملات في غير حينها) وهو ينطوي على أجزاء: في الجزء الأول يحمل على (دافيد ستراوس) ، وفي الجزء الثاني يبحث فائدة التاريخ وأخطاره، وفي الجزأين الأخيرين يبسط عبقرية الفيلسوف (شوبنهاور) وعبقرية الفنان (فاجنر) معتقدًا أن في إمكان هذين النابغتين أن يقودا الإنسانية إلى مثلها الأعلى
وفي سنة 1876 عرا حياته الداخلية ما عرا حياته الخارجية من تطور وتبدل، وأعظم ما نزل به نزاعه مع صديقه (فاجنر) أضف إلى هذا ما حاق بصحته من سوء واعتلال، حتى منحته الجامعة فرصة يقضيها إذا شاء في إيطاليا أو على هضاب سويسرا. وبعد هذه الراحة عاد إلى بذل الجهود برغم أن صحته كانت تنذر ولا تبشر. فجمع سنة 1878 كتابه (أشياء إنسانية، إنسانية جدًا) وكتابًا آخر يضم (آراء مختلفة) و (المسافر وظله) فزادت صحته ضعفًا حال بينه وبين التعليم، فاعتزل الجامعة لكي يجد المجال الفسيح والقوة الكافية لتتميم رسالته الفلسفية
وها هنا بدل القدر صفحة حياته، ومنحه حياة جديدة يغمرها الاعتزال، وحرية التفكير والانفصال، يكمل تحت ظلها هذه الرسالة التي خُلق لها
لم يكن ميل نيتشه إلى دراسة اللغات القديمة مجرد هوى أو هيجان ابن ساعة ثم ينطفئ. فقد مال نيتشه إلى هذه الدراسة بقلبه وعقله، ذلك لأنه يريد أن يظهر أمره في علم ضيق المساحة ليدرك العلم فضله. وهو أكثر الناس علمًا بقيمة العلماء الناقصين الذين يعلمون كل شيء ولا يعلمون شيئًا. وها هو ذا الآن لا يريد أن يعرف كل شيء، وإنما يريد أن يعرف