ولقد قرأت قصة (مكبث) مرارًا، فكنت في كل مرة أقف مبهوتًا أمام هذه السطور يحادث بها (مكبث) نفسه بعد أن منته الساحرات أمانيهن الخلابة، فأصبح في حيرة من أمره وأضحى خياله ملتهبًا، وعقله مشتتًا:
(المخاوف الحاضرة أقل عناء من التخيلات الواسعة البعيدة، وإن عقلي الذي لم يقتل بعد كل القتل - يعصف هكذا بكياني كله - حتى لقد قبر الفكر في الحلم والتخيل، ولم يبق كائنًا أمامي غير كل ما هو ليس بكائن) . أقول إن شاعرًا غير (شكسبير) ما كان يستطيع أن يعطينا وصفًا أدق من هذا، وأكثر مطابقة للواقع والحقيقة، لو استطعنا تأمل حالة (مكبث) الذهنية وهو يلفظ تلك الكلمات - و (شكسبير) دائم الجهد في أن يصبغ قصصه باللون الواقعي، فتراه في أعظم قصصه (التراجيدية) يدخل فصولًا وأشخاصًا مضحكة خفيفة، تقرب ما بين جو القصة وبين جو الحياة العادية - والأثر الواقعي الذي ينشأ من هذا لا ينتج من أن المضحك والمبكي يسيران جنبًا إلى جنب في حياتنا، بل لأن اللون الواقعي في الشخصية المضحكة أشد وأظهر منه في شخصيات (التراجيدية)
فالشخصية المضحكة هي في الغالب تحت مستوانا الاجتماعي، ولذلك نميل نحن إلى تصديق صحتها والاعتقاد بوجودها أكثر من ميلنا إلى الاعتقاد بوجود شخصية أو شخصيات فوق مستوانا؛ ومن هذا كان (شكسبير) يستخدم أهل الطبقة الدنيا ليصبغ الكثير من قصصه بلون واقعي؛ خذ مثلًا شخصيتي حافري القبور في (هملت) ، والبستاني في (ريبشارد الثاني) ، وجماعة الممثلين القرويين في (حلم منتصف ليلة صيف) ، وظهور شخصية (فالستاف) الفكهة بعد كل من المعركتين في (هنري الرابع) ، وظهور شخصية المهرج (النول) في منظر العاصفة في (الملك لير) ؛ والأمثلة غير هذه كثيرة، كما أن (شكسبير) لا ينهي رواية بنهاية حوادث القصة الأساسية، بل يعرض عليك فصلًا، وربما عرض فصولًا لا قيمة لها في القصة، غير أنها تكسبها لونًا واقعيًا يدلك على أن الحياة ما زالت كما هي بعد موت بطل الرواية أو بطلتها
محمد رشاد رشدي
بكالوريوس بامتياز في الأدب الإنجليزي