وسعه ويبذل جهده في امتلاك نصيبه من هذا الجمال، باحتوائه على ما في نفسه من معنى الجمال، وبتأمله للوجود ولنفسه بعين الجمال
أننا في ساعة الإبداع الفني نشعر بغبطة لا تحد ولا تحس إذ هي غبطة المبدع. وإذا كان الإنسان في هذه الحياة فردًا قائمًا بذاته، يحيا في عالم المادة، فهو فنان بطبيعة خياله المبدع الوثاب. يستطيع أن يبدع إبداع من يخلق ويصور - أن كان فنانًا مبدعًا، ويقدر أن يكون مبدعًا في تفكيره في الأثر الفني الذي يبعث في نفسه خياله الباطني، لأنه يشاطر المبدع فنه ويتحد معه في تحليقه. وهو في كلتا الحالتين متخيل صورًا وألوانا جديدة تبعث فيه الغبطة الفنية، ولا يضر هذه الصور أن تكون أخيلة أو أحلامًا، لان أجزاءها مقتبسة من الوجود، ولا ينبغي لهذه الصور أن تكون صورًا ضاحكة تملأ الجو افراحًا، فقد تكون صورًا تملأ الأفئدة ذعرًا والنفوس شقاء، وتكون بعد ذلك كله جميلة. . .
هذه الخاصة العاملة على إبداع الصور والأوهام، وتغليب الناحية الخيالية على الناحية الحقيقية يدعوها نيتشه (الخاصة الأبولونية: نسبة إلى(أبولون) ، والفن الأبولوني عنده هو النحت والتصوير والشعر القصصي. أن الرجل الأبولوني يستنقذ نفسه من التشاؤم باستسلامه للجمال. يقول للحياة: أنا أريدك، لأن صورتك جميلة، يجدر بها أن تكون مادة للحلم والخيال. . .
ولكن الإنسان ليس بكائن يمكن تحديده بالذاتية، أو بالانفصال، فهو كائن يشعر بنفسه كإرادة متفوقة، ويحس أنه قطعة من هذه الإرادة المتوزعة في الوجود كله، ويدرك أنه متحد مع كل ما يحيا وما يتألم، تام الاتحاد مع الوجود. والإنسان - في حالة ذهول أو سكر ناشئ عن مادة مخدرة، أو إزاء حوادث طبيعية كعودة الربيع - يشعر بان هذا الحاجز الذاتي الذي يفصله عن الوجود قد وهى وزال، ويجد نفسه متحدة مع الطبيعة كلها، وهذا الطور ما يدعوه نيتشه (الطور الديونيزوسي) ، نسبة إلى الإلهة (ديونيزوس) ولغة الرجل الديونيزوسي هي الموسيقى التي يعتبرها شوبنهاور لغة الإرادة الخالدة بل صورة الرغبة الدائمة المستترة في باطن الوجود، والإنسان - في هذا الطور - يحس بالألم الشامل والوهم الباطل وشقاء الفردية، فكاد يجنح إلى التشاؤم، ولكنه يهتز قليلًا ويشعر بخلوده ويدرك أن إرادته المفصولة إنما هي جزء من إرادة الوجود، فتراه حيال كل مظهر من