والديه؛ وقد عذبه ذلك الخاطر وأمعن في إيلامه، فاخذ يبحث عن عمل كل يوم، ولكن ما الذي يستطيع حامل دبلوم المعلمين العليا أن يعمله، وهو لا يملك إلا تلك الثروة العلمية المخزونة في دماغه، لا يدري كيف يستغلها! ولقد صبر على الجوع حينًا وتحمل الضيق أحيانًا، ولكنه الآن لا يستطيع الصبر، إذ يرى أمه التي غمرته بالعطف والحنان، تجود بحياتها مع أنفاسها الخافتة اللاهثة؛ ويرى أباه يجلس ذاهلًا مطرقًا، ينظر نظرات حزينة جوفاء إلى تلك الإنسانية المخلصة الراقدة، التي قاسمته حلو العيش ومره ثلاثين عامًا، غمرته فيها بكل حب وإيثار؟!
وقف الشاب يومًا بين أبويه وقد نفد صبره وعذبه عجزه فرفع يديه إلى السماء في حركة ضارعة مبتهلة، وتساءل بصوت متهدج حزين:
(أبتاه.! ألا أستطيع أن اصنع شيئًا لها؟ حياتي يا أبي ما قيمتها إذا لم تكن لكما وفي سبيلكما؟ إلا يمكنني فداؤها؟ (فابتسم الشيخ الحزين بعد أن تحجرت الابتسامة في شفتيه أعواما، وقام إلى ولده البار يضمه إلى صدره، ويغمره بقبلاته، ثم اسر إليه أن لا وسيلة لإنقاذ الأم المعذبة إلا بزواجه من ابنة عمه التي ورثت عن أبيها كثيرًا من المال والعقار
طعنة أصابت قلب الفتى فأدمته! لقد كان مستعدًا للتضحية بحياته لأنها ملك له؛ أما أن يضحي بقلبه وقد وهبه، وبفتاته وقد وثقت به واطمأنت اليه، فهذا ما لا طاقة له به. . يتزوج؟ ولمن إذن يترك الفتاة الصغيرة المثقفة؟ لقد تمكن الحب من قلبيهما ثلاث سنوات، وكانا من الاعتزاز بهذا الحب بحيث لم يلوثاه باباحة منكرة! كانا يخشيان على حبهما وهو الثوب الأبيض الناصع، أن يلوثه القليل من الغبار، ولم تعد لهما حيلة في التخلص من سلطان هذا الحب الذي نما مع الأيام، فكيف يفرض عليه أبوه ذلك الثمن الغالي؟ لا. . أنه لن يحطم قلبها ولن يكفر بالنعمة التي منحته إياها. . أنه بشر ولاحتماله حد معقول؛ وقد احب بكل قواه؛ ولئن كان مسئولًا عن سعادة امه، فهو مسئول كذلك عن سعادة فتاته، فقد منحته الأولى حبها وحنانها لأن عاطفة الأمومة فيها أرادت ذلك، بينما منحته الثانية حبها منة منها وتفضلًا. . .
لقد يستطيع أن يخنق حبه ويحطم قلبه، ليشتري بذلك سعادة أمه، ولكنه لا يستطيع أن يحطم قلب فتاته الصغيرة النبيلة. . .