سيأتي من أن رفع الإباحة الأصلية ليس بنسخ اللهم إلا أن يتجوز به عن تغير الحكم أعم من
أن يكون ذلك الحكم إباحة أصلية أو غيرها وتقدم في المسئلة الثانية من مسئلتي التنزل في فصل
الحاكم ما فيه من البحث والتحرير ( ولأنه ) أي تقديم المحرم على المبيح ( الاحتياط ) إذ احتمال
ترك العمل بما يقتضيه المبيح أهون من احتمال تركه بما يقتضيه المحرم كما في تحريم الضب بما
روى أحمد وغيره برجال الصحيح عن عبد الرحمن بن حسنة قال كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلنا
أرضا كثيرة الضباب فأصبنا منها فذبحنا فبينما القدور تغلي بها خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فقال إن أمة من بني إسرائيل فقدت وإني أخاف أن تكون هي فاكفئوها فكفأناها وإنا
لجياع وروى الجماعة إلا الترمذي ما دل على أنه أكل منه فلم يندر عنه ولم يكن معه معتذرا
بأنه يعافه لعدمه بأرض قومه ( ولا يقدم الإثبات ) لأمر عارض ( على النفي ) كما ذهب
إليه الكرخي والشافعية ( إلا أن كان ) النفي لا يعرف بالدليل بل ( بالأصل ) وهو كون
الأصل في العوارض العدم والانتفاء فإن الإثبات بالدليل يقدم عليه ( كحرية ) مغيث( زوج
بريرة لأن عبديته كانت معلومة فالإخبار بها )أي بعبديته كما في الصحيحين عن عائشة أن
تيسير التحرير ج:3 ص:144
النبي - صلى الله عليه وسلم - خيرها وكان زوجها عبدا ( بالأصل ) أي بناء على أن رقبته لم تتغير فهذا نفي
لحريته بناء على ما كانت عليه فالإخبار بحريته حين إعتاقها كما في كتب السير بناء على
ما ثبت عند المخبرين بما دل على حدوثها بعد العبدية إثبات مقدم على النفي المذكور ( فإن )
كان النفي ( من جنس ما يعرف بدليله عارضه ) أي الإثبات لتساويهما حينئذ باعتبار موجب
العلم ( وطلب الترجيح ) لأحدهما بوجه آخر ( كالإحرام في حديث ميمونة رضي الله عنها )
وهو ما في الكتب الستة عن ابن عباس رضي الله عنهما تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ميمونة