كان مناط صدق المجاز صدق التشبيه هي مبناه ومآله ( وهو ) أي المجاز ( أبلغ ) من الحقيقة
لما فيه من تصرف عقلي ليس للحقيقة مثله ( وقولهم ) أي الظاهرية ( يلزم ) على تقدير
وقوع المجاز في كلامه تعالى ( وصفه تعالى بالمتجوز ) لأن من قام به فعل اشتق له منه اسم فاعل
واللازم باطل لامتناع إطلاقه عليه تعالى اتفاقا ( قلنا إن ) أدرتم لزومه( لغة منعنا بطلان
اللازم )إذ لا مانع له منه لغة ( أو ) أردتم لزومه ( شرعا منعنا الملازمة ) لأن كونه موصوفا بالكلام
المشتمل على المجاز لا يقتضي صحة إطلاق المتجوز عليه شرعا لأن صحة إطلاق الاسم عليه
مشروط بأن لا يكون موهما لما لا يليق به ولفظ المتجوز يوهم أنه يتسمح ويتوسع فيما لا ينبغي
من الأفعال والأقوال وهو نقص ( ولنا الله نور السموات ) فإن النور في الأصل كيفية
تيسير التحرير ج:2 ص:22
تدركها الأبصار أولا وبواسطتها سائر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيرين على الأجرام
الكثيفة المحاذية لهما والله سبحانه منزه عن ذلك فهو على التجوز بمعنى منور السموات وقد
قرئ به فإنه تعالى نورها بالكواكب وما يفيض عنها من الأنوار وبالملائكة والأنبياء إذ عم
النور أي بمعنى مدبرها من قولهم للرئيس الفائق في التدبير نور القوم لأنهم يهتدون به في الأمور
أو موجدها فإن النور ظاهر بذاته مظهر لغيره وأصل الظهور هو الوجود كما أن أصل الخفاء
هو العدم وهو تعالى موجود بذاته موجد لما عداه إلى غير ذلك ( ومكر الله ) لأن المكر في
الأصل يجلب بها مضرة الغير وهو منزه سبحانه عنها وإنما يسند إليه على سبيل المقابلة
والازدواج ( الله يستهزئ بهم ) لأن الاستهزاء السخرية ينسب إليه سبحانه مشاكلة أو استعارة
لما ينزل إليهم من الحقارة والهوان الذي هو لازم الاستهزاء إلى غير ذلك ( فاعتدوا عليه ) بمثل
ما اعتدى عليكم ( و ) جزاء ( سيئة سيئة مثلها ) وليس جزاء الاعتداء اعتداء بل هو عدل ولا جزاء