فهرس الكتاب
فَقَالَ تَعَالَى لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ: أقْصُصْ عَلى البُغَاةِ الحَسَدَةِ مِنَ اليَهُودِ وَأَمْثَالِهِمْ وَأشْبَاهِهِمْ خَبَرَ ابْنَيْ آدَمَ الذِي يَرْوِيهِ النَّاسُ وَيَتَنَاقَلُونَهُ، لَقَدْ قَرَّبَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قُرْبَانًا إلى اللهِ، فِي أَمْرٍ اخْتَلَفَا عَلَيْهِ، فَتَقَبَّلَ اللهُ مِنْ أَحَدِهِمَا قُرْبَانَهُ (وَهُوَ هَابِيلُ) وَلَمْ يَتَقَبَّلْ قُرْبَانَ الآخَرِ (قَابِيلَ) ، بِأَنْ أَنْزَلَ اللهُ نَارًا مِنَ السَّمَاءِ فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ هَابِيلَ، وَلَمْ تَمَسَّ النَّارُ قُرْبَانَ قَابِيلَ. فَغَضِبَ قَابِيلُ، وَهَدَّدَ أَخَاهُ بِالقَتْلِ، فَقَالَ لَهُ هَابِيلُ: إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ القُرْبَانَ وَالصَّدَقَاتِ مِنَ المُتَّقِينَ، الذِينَ أَخْلَصُوا العِبَادَةَ للهِ، وَاتَّقَوْا الشِّرْكَ، وَخَافُوا عِقَابَ اللهِ، وَاجْتَنَبُوا المَعَاصِي.
وَإذِا أَرَدْتَ أنْ تَبْسِطَ إليَّ يَدَكَ وَتَمُدَّهَا بِالشَّرِّ، وَإذَا نَوَيْتَ قَتْلِي، فَإنِّي لَنْ أُقَابِلَكَ عَلَى صَنِيعِكَ الفَاسِدِ بِمِثْلِهِ، فَأَكُونُ أنَا وَأَنْتَ سَوَاءً فِي الخَطِيئَةِ، وَإنِّي أَخَافُ اللهَ مِنْ أنْ أَصْنَعَ بِكَ مَا تُرِيدُ أَنْتَ أنْ تَصْنَعَهُ بِي، وَلِذَلِكَ فَإنِّي أَصْبِرُ وَأَحْتَسِبُ.
وَإنِّي إذْ أَرْفُضُ مُقَابَلَةَ الجَرِيمَةِ بِمِثْلِهَا، فَإنَّنِي إنَّمَا أُرْيدُ أنْ تَتَحمَّلَ إِثْمَ قَتْلِي، وَالإِثْمَ الذِي عَلَيْكَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَمْنَ أَجْلِهِ لَمْ يَتَقَبَّلَ اللهُ قُرْبَانَكَ، فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ، وَهَذَا هُوَ الجَزَاءُ الذِي أَعَدَّهُ اللهُ لِلْمُعْتَدِينَ الظَّالِمِينَ.
وَلَكِنَّ قَابِيلَ لَمْ يَخَفْ النَّارَ التِي خَوَّفُه بِهَا أَخْوُهُ، وَلَمْ يَنْزَجِرْ (وَقِيلَ إنَّ القَاتِلَ يَحْمِلُ فِي الآخِرَةِ إِثْمَ مَنْ قَتَلَهُ وَمَا عَلَيهِ مِنْ ذُنُوبٍ وَآثَامٍ وَحُقُوقٍ لِلْعِبَادِ، لأَنَّهُ بِقَتْلِهِ مَنَعَهُ مِنْ أنْ يَرْجِعَ إلى اللهِ بِالتَّوْبَةِ وَالاسْتِغْفَارِ، وَوَفَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ العِبَادِ إنْ أرَادَ ذَلِكَ) .