قال سعيد: فما إن سمعت كلامه ورأيته يمتشق حسامه ويمضي إلى لقاء أعداء الله حتى اقتحمت إلى الأرض وجثوت على ركبتي وأشرعت رمحي وطعنت أول فارس أقبل علينا. ثم وثبت على العدو وقد انتزع الله كل ما في قلبي من الخوف. فثار الناس في وجوه الروم، ومازالوا يقاتلونهم حتى كتب الله للمؤمنين النصر.
ولما دانت دمشق بالولاء للمسلمين جعل أبو عبيدة بن الجراح قائد جيوش المسلمين واليًا عليها. فكان أول من ولي إمرة دمشق من المسلمين. غير أنه كان زاهدًا في الحكم كما هو زاهد في المال. فكتب إلى أبي عبيدة وهو في الأردن يعتذر عن عدم الاستمرار في المنصب ويطلب اللحاق به للجهاد. فلما بلغ الكتاب أبا عبيدة استجاب لرغبته.
ومن صور زهده إيثاره للخمول وإنكار الذات:
[*] ... قال أبو نعيم في الحلية: رغب عن الولاية وتشمر في الرعاية! قمع نفسه وأخفى عن المنافسة في الدنيا شخصه! وبلغة العصر نقول: هو جندي مجهول!
وسوف نتناول شيئين أساسيين في هذه السيرة العطرة وهما:
أولًا: لمحات من سيرة أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه:
ثانيًا: صورٌ مشرقة من زهد أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه:
وهاك تفصيل ذلك:
أولًا: لمحات من سيرة أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه:
[*] قال عنه الحافظ أبو نعيم ٍ في حلية الأولياء:
الأمين الرشيد، والعامل الزهيد، أمين الأمة أبو عبيدة. كان للأجانب من المؤمنين وديدًا، وعلى الأقارب من المشركين شديدا، فيه نزلت: (لاّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدّونَ مَنْ حَآدّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوَاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلََئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلََئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلاَ إِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [المجادلة: 22] . صبر على الاقتصار على القليل، إلى أن حان منه النقلة والرحيل.
[*] وقال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: