أخرج ابن سعد عن أستق قال: كنت مملوكًا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأنا نصراني. فكان يعرض عليَّ الإِسلام ويقول: إِنَّك إن أسلمت إستعنت بك على أمانتي، فإنه لا يحلُّ لي أن أستعين بك على أمانة المسلمين ولست على دينهم، فأبيت عليه، فقال: لا إِكراه في الدين. فلما حضرته الوفاة، أعتقني وأنا نصراني، وقال: إذهب حيث شئت. وأخرجه أيضًا سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم بنحوه مختصرًا. كذا في الكنز وأخرجه أبو نعيم في الحلية عن وسق الرومي مثله، إلا أنّ في روايته: على أمانة المسلمين فإنه لا ينبغي لي أن أستعين على أمانتهم بمن ليس منهم.
وأخرج الدارقطني، وابن عساكر عن أسلم قال: لمَّا كنَّا بالشام أتيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه بماء توضأ منه. فقال: من أين جئت بهذا الماء؟ فما رأيت ماء عذبًا ولا ماء السماء أطيب منه. قلت: جئت به من بيت هذه العجوز النصرانية. فلما توضأ أتاها فقال: أيتها العجوز، أسلمي، بعث الله تعالى محمدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحق، فكشفت عن رأسها فإذا مثل الثغامة، فقالت: عجوز كبيرة وإنما أموت الآن. فقال عمر: اللَّهم أشهد. كذا في الكنز.
-هجرة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه:
لما أراد عمر الهجرة إلى المدينة أبى إلا أن تكون علانية يقول ابن عباس رضي الله عنهما: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما علمت أن أحدًا من المهاجرين هاجر إلا متخفيًا، إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما همّ بالهجرة، تقلد سيفه، وتنكّب قوسه، وانتضى في يده أسهمًا، واختصر عنزته [1] ، ومضى قبل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعًا متمكنًا، ثم أتى المقام، فصلى متمكنًا، ثم وقف على الحلق واحدة، واحدة، فقال لهم: شاهت الوجوه، لا يُرغم الله إلا هذه المعاطس [2] ، من أراد أن تثكله أمه، ويوتم ولده، أو يرمل زوجه فليلقني وراء هذا الوادي. قال عليُّ رضي الله عنه: فما تبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علمهم، وأرشدهم ومضى لوجهه [3] .
(1) عنزته: العنزة عصا في قدر نصف الرمح وهي أطول من العصا وأقوى من الرمح.
(2) المعاطس: الأنوف.
(3) خبر لا بأس به انظر صحيح التوثيق في سيرة الفاروق ص30.