وفي هذه القصة يظهر حرص الصديق على التأدب مع رسوله، وحساسيته الشديدة على أن يضايقه شيئًا ولا يقبل ذلك ولو كان من أقرب الناس وأحبهم الى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كعائشة رضي الله عنهم، فقد كان - رضي الله عنه - قدوة للدعاة في الأدب الجم مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومع نفسه ومع المسلمين [1] .
لقد ثبت من الأحاديث الصحيحة ما يدل على أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان ينتصر لأبي بكر وينهى الناس عن معارضته،
(حديث أبي الدرداء رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري) قال: كنت جالسًا مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذ أقبل ابوبكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أما صاحبكم فقد غامر) [2] ، فسلم، وقال: يارسول الله إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إلي ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبي علي، فأقبلت إليك. فقال: يغفر الله لك ياأبابكر ثلاثًا. ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثم أبوبكر؟ قالوا: لا. فأتى النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فسلم عليه، فجعل وجه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتمعر [3] ، حتى أشفق أبوبكر [4] فجثى على ركبتيه فقال يارسول الله: والله أنا كنت أظلم مرتين [5] ، فقال النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبوبكر: صدق، وواساني بنفسه وماله [6] ، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي مرتين. فما أوذي بعدها.
وفي هذه القصة دروس وعبر كثيرة منها؛ الطبيعة البشرية للصحابة وما يحدث بينهم من خلاف، وسرعة رجوع المخطئ وطلب المغفرة والصفح من أخيه، تواد الصحابة فيما بينهم، مكانة الصديق الرفيعة عند رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم أصحابه الخ.
(26) قل: غفر الله لك يا أبا بكر:
(1) تاريخ الدعوة الاسلامية، ص402،403.
(2) غامر: خاصم. أي دخل في غمرة الخصومة.
(3) يتمعر: تذهب نضارته من الغضب.
(4) أن يكون لعمر من الرسول مايكره.
(5) لأنه هو الذي بدأ.
(6) المراد به أن صاحب المال يجعل يده ويد صاحبه في ماله سواء.