وأما القَطْع فجعله عقوبة مِثله عَدْلًا وعقوبةَ السارق، فكانت عقوبته به أبلغ وأردع من عقوبته بالجَلْد، ولم تبلغ جنايته حَدَّ العقوبة بالقتل، فكان أليقُ العقوبات به إبَانَةَ العضو الذي جعله وسيلة إلى أذى الناس وأخذِ أموالهم، ولما كان ضرر المحارب أشدَّ من ضرر السارق وعدوانه أعظم ضَمَّ إلى قطع يده قطع رجله، ليَكُفَّ عدوانَه وشرَّ يده التي بطش بها ورجله التي سعى بها، وشَرَعَ أن يكون ذلك من خلاف لئلا يُفَوِّتَ عليه منفعة الشِّق بكماله، فكَفَّ ضرره وعدوانه ورَحِمه بأن أبقى له يدًا من شِق ورجلًا من شِق.
وأما الجَلْد فجعله عقوبة الجناية على الأعراض وعلى العقول وعلى الأبضاع، ولم تبلغ هذه الجنايات مبلغًا يُوجبُ القتل ولا إبانَةَ طَرَفٍ، إلا الجناية على الأبضاع فإن مفسدتها قد انتهضت سببًا لأشنع القتلات، ولكن عارَضَها في البكر شِدَّةُ الداعي وعدم المُعَوِّضِ، فانتهضَ ذلك المعارضُ سببًا لإسقاط القتل» «إعلام الموقعين» (2/ 95 - 97) .
-وقال أيضًا: «وتأمل كيف جاء إتلاف النفوس في مقابلة أكبر الكبائر وأعظمها ضررًا وأشدها فسادًا للعالم، وهي الكفر الأصلي والطارئ، والقتل، وزِنى المُحصَن، وإذا تأمل العاقل فساد الوجود رآه من هذه الجهات الثلاث، وهذه هي الثلاث التي أجاب النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعبد الله بن مسعود بها حيث قال له: يا رسول الله، أيُّ الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خَلَقَك، قال: قلت: ثم أيٌّ؟ قال: «أن تقتل ولَدَكَ خشية أن يَطْعَمَ معك» ، قال: قلت: ثم أيٌّ؟ قال: «أن تزاني بحليلة جارك» [1] .
فأنزل الله عز وجل تصديق ذلك: (وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهَا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ) [الفرقان:68] .
ثم لما كان سرقة الأموال تَلِي ذلك في الضرر وهو دونه جعل عقوبته قطع الطَّرَف، ثم لما كان القذف دون سرقة المال في المفسدة جعل عقوبته دون ذلك وهو الجَلْد، ثم لما كان شرب المسكر أقل مفسدة من ذلك جعل حَدَّه دون حَدِّ هذه الجنايات كلها، ثم لما كانت مفاسد الجرائم بعدُ متفاوتة غير منضبطة في الشدة والضعف والقلة والكثرة ـ وهي ما بين النظرة والخلوة والمعانقة ـ جُعِلَتْ عقوباتُها راجعة إلى اجتهاد الأئمة ووُلاة الأمور، بحسب المصلحة في كل زمان ومكان، وبحسب أرباب الجرائم في أنفسهم.
(1) متفق عليه.