فهرس الكتاب

الصفحة 2607 من 6619

ويحتمل أن يريد الانخلاع من عصمة الله له وأنك إنما ارتكبت الذنب بعد انخلاعك من توبة عصمته لك فمتى عرف هذا الانخلاع وعظم خطره عنده واشتدت عليه مفارقته وعلم أن الهلك كل الهلك بعده وهو حقيقة الخذلان «فما خلى الله بينك وبين الذنب إلا بعد أن خذلك وخلى بينك وبين نفسك» ولو عصمك ووفقك لما وجد الذنب إليك سبيلا.

فقد أجمع العارفون بالله على أن الخذلان: أن يكلك الله إلى نفسك ويخلى بينك وبينها والتوفيق أن لا يكلك الله إلى نفسك وله سبحانه في هذه التخلية بينك وبين الذنب وخذلانك حتى واقعته حكم وأسرار سنذكر بعضها.

وعلى الاحتمالين فترجع (التوبة) إلى اعتصامك به وعصمته لك.

قوله:"وفرحك عند الظفر به".

الفرح بالمعصية دليل على شدة الرغبة فيها والجهل بقدر من عصاه والجهل بسوء عاقبتها وعظم خطرها ففرحه بها غطى عليه ذلك كله وفرحه بها أشد ضررا عليه من مواقعتها والمؤمن لا تتم له لذة بمعصية أبدا ولا يكمل بها فرحه بل لا يباشرها إلا والحزن مخالط لقلبه ولكن سكر الشهوة يحجبه عن الشعور به ومتى خلي قلبه من هذا الحزن واشتدت غبطته وسروره فليتهم إيمانه وليبك على موت قلبه فإنه لو كان حيا لأحزنه ارتكابه للذنب وغاظه وصعب عليه ولا يحس القلب بذلك فحيث لم يحس به فما لجرح بميت إيلام.

وهذه النكتة في الذنب قل من يهتدي إليها أو ينتبه لها وهي موضع مخوف جدا مترام إلى هلاك إن لم يتدارك بثلاثة أشياء خوف من الموافاة عليه قبل التوبة وندم على ما فاته من الله بمخالفة أمره وتشمير للجد في استدراكه.

قوله:"وقعودك على الإصرار عن تداركه".

الإصرار: هو الاستقرار على المخالفة والعزم على المعاودة وذلك ذنب آخر لعله أعظم من الذنب الأول بكثير وهذا من عقوبة الذنب: أنه يوجب ذنبا أكبر منه ثم الثاني كذلك ثم الثالث كذلك حتى يستحكم الهلاك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت