فهرس الكتاب
ومن لم يكن خالصًا لله، عبدًا له، قد صار قلبه معبدًا لربه وحده لا شريك له بحيث يكون الله أحب إليه مما سواه، ويكون ذليلًا له خاضعًا، وإلا استعبدته الكائنات، واستولت على قلبه الشياطين، وصار فيه من السوء والفحشاء ما لا يعلمه إلا الله، وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه [1] .
[*] (وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: فالمؤمن المخلص لله من أطيب الناس عيشًا، وأنعمهم بالًا، وأشرحهم صدرًا، وأسرهم قلبًا، وهذه جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة [2] .
(2) امتلاء القلب بمحبة الله عز وجل:
فالمحبة أعظم محركات القلوب فهي الباعث الأول للأفعال والتروك، وما أُتي من اسْتُذِل واستعبد لغير الله بمثل ما أُتي من باب المحبة، فالقلب إذا خلا من محبة الله تعالى تناوشته الأخطار، وتسلطت عليه سائر النوائب والمحبوبات، فشتته، وفرقته وذهبت به كل مذهب، فإذا امتلأ القلب من محبة الله بسبب العلوم النافعة والأعمال الصالحة كَمُلَ أنسه، وطاب نعيمه، وسلم من التعلق بسائر الشهوات، وهان عليه فعل سائر القربات؛ فمن المتقرر أن في القلب فقرًا ذاتيًا، وجوعة وشعثًا وتفرقًا، ولا يغني هذا القلب، ولا يلم شعثه، ولا يسد خلته إلا عبادة الله عز وجل ومحبته.
فأجدر بمن يريد الإقبال على الله، والإنابة إليه أن يملأ قلبه من محبة الله؛ ففي ذلك سروره، ونعيمه، وأنسه، وفلاحه.
[*] (قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: والمحبة المحمودة هي المحبة النافعة، وهي التي تجلب لصاحبها ما ينفعه وهو السعادة.
والضارة هي التي تجلب لصاحبها ما يضره وهو الشقاء [3] .
(وقال أيضًا: ففي قلوب بني آدم محبة لما يتألهونه ويعبدونه، وذلك هو قوام قلوبهم، وصلاح نفوسهم.
كما أن فيهم محبةً لما يطعمونه وينكحونه، وبذلك تصلح حياتهم ويدوم شملهم.
وحاجتهم إلى التأله أعظم من حاجتهم إلى الغذاء؛ فإن الغذاء إذا فُقد يفسد الجسم، وبفقد التأله تفسد النفس [4] .
[*] (وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: فكيف بالمحبة التي هي حياة القلوب، وغذاء الأرواح، وليس للقلب لذة، ولا نعيم، ولا فلاح، ولا حياة إلا بها.
وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورَها، والأذن إذا فقدت سمعها، والأنف إذا فقد شمه، واللسان إذا فقد نطقه؟!
(1) العبودية ص 140_142.
(2) الجواب الكافي ص 465.
(3) جامع الرسائل 2/ 202.
(4) جامع الرسائل 2/ 230.