فهرس الكتاب

الصفحة 5573 من 6619

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ: عِظْنِي فَقَالَ: لاَ أَرْضَى نَفْسِي لَك وَاعِظًا؛ لِأَنِّي أَجْلِسُ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فَأَمِيلُ عَلَى الْفَقِيرِ وَأُوَسِّعُ لِلْغَنِيِّ، وَلِأَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعَمَلِ لِوَجْهِهِ لاَ لِغَيْرِهِ.

وَحُكِيَ أَنَّ قَوْمًا أَرَادُوا سَفَرًا فَحَادُوا عَنْ الطَّرِيقِ، فَانْتَهَوْا إلَى رَاهِبٍ فَقَالُوا: قَدْ ضَلَلْنَا، فَكَيْفَ الطَّرِيقُ؟ فَقَالَ: هَهُنَا وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إلَى السَّمَاءِ.

(وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَفْعَلَ الزِّيَادَةَ اقْتِدَاءً بِغَيْرِهِ. وَهَذَا قَدْ تُثْمِرُهُ مُجَالَسَةُ الأخيار الأفاضل، وَتُحْدِثُهُ مُكَاثَرَةُ الأتْقِيَاءِ الأمَاثِلِ، وتأمل في الحديث الآتي بعين البصيرة وأمْعِنِ النظر فيه واجعل له من سمعك مسمعا وفي قلبك موقِعًا عسى الله أن ينفعك بما فيه من غرر الفوائد، ودرر الفرائد.

(( حديث أبي هريرة الثابت في صحيحي أبي داوود والترمذي) أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل.

فَإِذَا كَاثَرَهُمْ الْمُجَالِسَ، وَطَاوَلَهُمْ الْمُؤَانِسَ، أَحَبَّ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ فِي أَفْعَالِهِمْ، وَيَتَأَسَّى بِهِمْ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَلاَ يَرْضَى لِنَفْسِهِ أَنْ يُقَصِّرَ عَنْهُمْ، وَلاَ أَنْ يَكُونَ فِي الْخَيْرِ دُونَهُمْ، فَتَبْعَثُهُ الْمُنَافَسَةُ عَلَى مُسَاوَاتِهِمْ، وَرُبَمَا دَعَتْهُ الْحَمِيَّةُ إلَى الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمْ وَالْمُكَاثَرَةِ لَهُمْ فَيَصِيرُوا سَبَبًا لِسَعَادَتِهِ، وَبَاعِثًا عَلَى اسْتِزَادَتِهِ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: لَوْلاَ الْوِئَامُ لَهَلَكَ الأنَامُ. أَيْ لَوْلاَ أَنَّ النَّاسَ يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيَقْتَدِي بِهِمْ فِي الْخَيْرِ لَهَلَكُوا.

وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: مِنْ خَيْرِ الاخْتِيَارِ صُحْبَةُ الأخْيَارِ، وَمِنْ شَرِّ الاخْتِيَارِ مَوَدَّةُ الأشْرَارِ. وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ لِلْمُصَاحَبَةِ تَأْثِيرًا فِي اكْتِسَابِ الأخْلاَقِ، فَتَصْلُحُ أَخْلاَقُ الْمَرْءِ بِمُصَاحَبَةِ أَهْلِ الصَّلاَحِ وَتَفْسُدُ بِمُصَاحَبَةِ أَهْلِ الْفَسَادِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت