فهو في الضلالة ليس بخارج منها أبدًا إلا بأذن الله، ثم آخرون اتخذوا من بعد الهدى عجلًا جسدًا فضلوا به، فعفى عنهم لعلهم يشكرون، فصاروا من أمة قوم موسى، (أُمّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) [الأعراف: 159] ، وصاروا إلى ما سبق لهم، ثم ضلت ثمود بعد الهدى فلم يعف عنهم ولم يرحموا، فصاروا في علمه إلى صيحة واحدة فإذا هم خامدون فنفذوا إلى ما سبق لهم أن صالحًا رسولهم، وأن الناقة فتنة لهم وأنه مميتهم كفارًا فعقروها، وكان إبليس فيما كانت فيه الملائكة من التسبيح والعبادة ابتلى فعصى فلم يرحم، وابتلى آدم فعصى فرحم، وهم آدم بالخطيئة فنسى، وهم يوسف بالخطيئة فعصم، فأين كانت الاستطاعة عند ذلك؟ هل كنت تغني شيئًا فيما كان من ذلك حتى لا يكون؟ أو تغني فيما لم يكن حتى يكون? فتعرف لكم بذلك حجة بل الله أعز مما تصفون وأقدر. نا. وقلتم لو شاء فرعون لامتنع من الغرق، والله تعالى يقول (إِنّهُمْ جُندٌ مّغْرَقُونَ) [الدخان: 24] . مثبت ذلك عنده في وحيه في ذكر الأولين. كما قال في سابق علمه لآدم قبل أن يخلقه: ... (إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة: 30] . فصار إلى ذلك بالمعصية التي ابتلى بها، وكما كان إبليس في سابق علمه أنه سيكون مذمومًا مدحورًا، فصار إلى ذلك بما ابتلى به من السجود لآدم فأبى، فتلقى آدم التوبة فرحم، وتلقى إبليس اللعنة فغوى، ثم هبط آدم إلى ما خلق له من الأرض مرحومًا متوبًا عليه، وأهبط إبليس بنظرته مدحورًا مذمومًا مسخوطًا عليه. وقلتم أنتم: أن إبليس وأوليائه من الجن قد كانوا ملكوا رد علم الله والخروج من قسمه الذي أقسم به إذ قال: ... (قَالَ فَالْحَقّ وَالْحَقّ أَقُولُ * قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ الْمُتَكَلّفِينَ) [ص 85: 86] .