فهرس الكتاب

الصفحة 3252 من 8373

وذلك دليل على أن المشركين مهما يضلوا يتجه تفكيرهم في الشدائد إلى القوة الخفية الخالقة في هذا الوجود، وهو الله سبحانه وتعالى خالق الكون ومسيره، فهو مجيب المضطر إذا دعاه، وأن الله يكشف أي يزيل الضر، وكأن الشدة غطاء غامر محيط، وإزالته كشفه، ففي هذا التعبير استعارة فيها تشبيه حال إزالة الشر، بحال كشف غطاء غامر مؤلم، بجامع إزالة الضر في كل، وإظهار السلامة، والفاء هنا لترتيب الفعل على الدعاء وسرعة الإجابة.

وإن الله تعالى يكشف الضر إذا لم يكن في ذلك مفسدة وكان فيه خير، وكانت الرحمة تفرضه، كما قال تعالى: (. . . كَتَبَ رَبّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ. . .) ، ولذا قال سبحانه: (إِن شَاءَ) أن يتفضل عليكم بهذا الكشف، ويرحمكم ولم يكن في هذا مضرة، ولا إغراء بالفساد، ولا إيذاء لغيره، فعمله تعالى في دائرة الحكمة والنفع، وإن لم يكن في ذلك إلزام، فإنه سبحانه وتعالى (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) .

وظاهر أن كشف الشدة إنما يكون في شدائد الدنيا، وهي التي تتعلق بها المشيئة إن شاء أنزلها وأبقاها لحكمة، وإن شاء أزالها وأنظرهم، كما كان يفعل مع قريش، أما ما يجيء بعد الساعة من حساب وعقاب المشركِين فإن الله لَا يكشفه عن المشركين، إذ يقول سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْركَ بِهِ وَيَغْفِر مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ. . .) . فلا يمكن بمقتضى وعيده سبحانه أن تكون عقوبة الشرك يوم القيامة موضع كشف أو إزالة.

وقوله تعالى: (فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ) الكلام متعلق فيه بالمشيئة، وأريد به السبب، ذلك أن السياق يستفاد منه أن الكشف عن الدعاء، والحقيقة أن الكشف عن الضر الذي سبب الدعاء والله سبحانه وتعالى كاشفه، ومزيل ضرهم.

إنهم في هذا الحال يتركون أحجارهم، لأنهم في هذه الحال تستيقظ مداركهم، فلا يلتفتون إلى أوثانهم إذ يرونها لَا تنفع ولا تضر، بل ربما يكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت