كان العلم في صدر الإسلام يعنى معرفة الأحكام والمعايير الشرعية، التى نزل بها القرآن الكريم، أو نص عليها الحديث والسنة النبوية. فلما انتشرت ظلال الإسلام خارج حدود الجزيرة العربية، ودانت لحكمه البلدان والأقطار في المشرق والمغرب، لم يعد العلم بما جاء به الكتاب والسنة كافيا لسد الحاجات العارضة للمسلمين، والقضاء في كل ما يعن ويجد من المسائل والمشاكل المتعلقة بحقوق الناس ومصالحهم، بل كان على العلماء ضربة لازب أن يجتهدوا بالفقه والرأى لحل هذه المعضلات والمشاكل. وهكذا ظهر الفقه، أى ذلك التصرف والعمل العقلى، الذى كان من نتائجه أن رفع الفقهاء عقيرتهم، مطالبين بحق اعتماد آرائهم التشريعية، وجعلها مقاييس ومبادئ تصدر عنها الأحكام والأقضية في الحياة العلمية والعملية.
ظهرت هذه الحركة العقلية بالمدينة في أوائل العصر الأموى. وكان عرف أهل المدينة في الأحكام والتشريع يوافق في بعض النواحى ما جرى العمل عليه في ولايات المملكة الرومية، فاجتهد فقهاء المدينة في تطبيق ذلك العرف على أصول الإسلام من وقت إلى آخر. وكان مسلكهم في ذلك هو البحث فيما إذا كان هذا العمل أو غيره جائزا في نظر الإسلام أو غير جائز ومن ثم كانت أحكام أولئك الفقهاء الأول تحمل طابع النظرة الأخلاقية، أكثر من النظرة الفقهية التشريعية.
وليس في مقدورنا أن نعرف بعد، إلى أى مدى أمكن صياغة هذه الخطوات الأولى لعلم التشريع الإسلامى في قالب علمى كتابى. وقد أخبر ابن
سعد (1) عن هشام بن عروة بن الزبير قال: أحرق أبى يوم الحرة (2) كتب فقه كانت له، قال: «فكان يقول بعد ذلك لأن تكون عندى أحب إليّ من أن يكون لى مثل أهلى ومالى» . ولم تكن هذه الكتب فيما يظهر إلا ما كتب عروة لنفسه من ورقات. وقال ابن قيم الجوزية في كتاب الإعلام (3) : إن فتاوى الزهرى وحسن البصرى كانت مجموعة في ثلاثة وفى سبعة أسفار. وقد رأينا في كتاب الموطأ لمالك بن أنس، وفى مجموعة زيد بن على، نموذجا لأسلوب التصنيف الذى كان يحتذيه من صنف قبلهما.