* لما قويت عناية علماء العراق بجمع أشعار الجاهلية وشرحها، نشأت الحاجة إلى البحث والتنقيب عن أيام العرب وملوكهم وأحوالهم في الزمن القديم وكان أعظم الفضل في حفظ هذه الأخبار والآثار يعود إلى الكلبيين محمد بن السائب وابنه أبى المنذر هشام بن محمد، وعنهما أخذ المتأخرون.
فالأول: محمد بن السائب الكلبى، شارك في محاربة الحجاج إلى جانب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فخاض معه موقعة دير الجماجم (1) سنة 82هـ / 701م، وتوفى سنة 146هـ / 763م. وقد ألف حقّا كتابا في تفسير القرآن (2) ، ولكنه كان يميل على وجه الخصوص إلى جمع الأخبار عن أنساب العرب القدماء وتاريخهم.
أما ابنه: هشام بن محمد الكلبى فقد ولد بالكوفة، وسكن بغداد زمانا، ثم توفى سنة 204هـ 819م وقيل سنة 206هـ.
واقتفى هشام بن محمد خطوات أبيه وسار على أثره، وحاول أن يتم ما جمعه بالبحث والتنقيب في الآثار التى كانت لا تزال باقية بكنائس الحيرة، ليستكمل بذلك تاريخ اللخميين ومشاهدهم، وصنف ما وصل إليه من ذلك.
وكان هذا المنهج غير المألوف في البحث حينئذ سببا في إثارة التهم وتوجيه المطاعن إليه من قبل المعاصرين. وعلى الرغم من أنه لم يفقد حماة متحمسين
(*) آثرنا هذا العنوان على عنوان المؤلف: تاريخ الجاهلية العربية، لأن كثيرا مما سيذكره ومن سيذكره من العلماء تجاوز العصر الجاهلى.
(1) انظر تاريخ الطبرى (طبع مصر) 2: 14وانظر:
(2) استفاد منه الثعلبى المتوفى 427/ 1036: المتحف البريطانى أول 821وربما كان ابن عساكر أخذ عنه قصة إبراهيم الخليل في تاريخ دمشق 2: 138وما بعدها.