غير أنه ظهر إلى جانب هذا بعض الأشكال المتحررة. حقّا لم نسمع إلا القليل جدا من الأدب العامى الحقيقى، كالأغانى التى كان يغنيها العامة في بغداد في تجولهم بالحارات في ليالى شهر رمضان (المثل السائر لابن الأثير 46س 4) أو أغانى الحب والخمر التى يناقشها ابن الجوزى في تلبيس إبليس (241س 10وما بعده) ، أو أبيات الهجاء التى قيلت في عماد الدين في عام 579هـ / 1183م، والتى يذكرها ابن شداد في النوادر السلطانية 283س 4غير أنه لم تؤثر قوالب الشعر العامى إلا تأثيرا نادرا على العمل الفنى للأدباء.
وقد أثر في الفن الشعرى كذلك، ما بذله أبو نواس ومعاصروه من جهد للتخفيف من وطأة الأشكال القديمة، والملاءمة بينها وبين الحياة الواقعية، فكثيرا ما وضع في مكان النسيب مقدمة بأسلوب شعر الحب الحديث، يسميها السراج (فى مصارع العشاق 41س 11) بالغزل. وفى شعر الوصف لم يعد الشاعر يتحدث عن الصحراء البعيدة عن ساكن المدن، بل يفضل الورود والحدائق، كما صنع الصنوبرى من قبل (انظر: الترجمة العربية 2/ 97) ، وقد أدخلها في الشعر في أسبانيا الحسين بن الوليد بن العريف [1]
(المتوفى سنة 390هـ / 1000م في طليطلة انظر إرشاد الأريب لياقوت 4/ 107103) .
وقد قل التحليق الفكرى للعلماء، الساعى إلى فتح آفاق جديدة للمعرفة، تحت وطأة التوجيه الثقافى المتأثر باتجاهات القوة السياسية.
غير أن هذه العصور، عصور الانحطاط الذى لم يبلغ مداه إلا بالاكتساح المغولى للمنطقة فيما بعد. قد شهدت انتفاضة خصبة، وإن لم تكن ممتعة في كل حال. ففى قصور الأمراء الصغيرة الكثيرة، ولا سيما في غرب المنطقة العربية، نشر جيل كبير من الشعراء الحذاق بالصنعة أجنحة أرواحهم الطيية بحق، تحت سماء عطف هؤلاء الأمراء. ففى مصر تحت حكم بنى أيوب، ابتكر عمر بن الفارض والبهاء زهير نوعا من الشعر مزجا فيه القوالب القديمة بالقرب من الواقع والخلو من الزيف، وأسلوبا جديدا يحرر الشعر من القيود القديمة ويقربه من الحياة، ويعطى الطبيعة والتقاليد الشعبية حقها. دون أن يترك القالب القديم، فبقى تأثير هذا الشعر لذلك خصبا إلى العصر الحاضر [2] ، وتمكن الشعر الحديث من أن يرتبط بسهولة بفنيهما (انظر الشفق الباكى لأبى شادى ص 1242وما بعدها) .
(1) فى الأصل: «الحسن بن الوليد بن العارف» وهو خطأ (المترجم) .
(2) من أجل اهتمام الطبقة الراقية في العراق، كتبت المجموعة الموجودة في آياصوفيا 4874 للخليفة المستنصر (الخليفة العباسى 640623هـ / 11421126م) بعنوان: «مواليات ودو بيت وموشحات» (ريتر) .