أما هذه الضغائن المتوارثة بين أهل الكتاب على الإسلام وأمته، فداء عياء، وظاهر أن بغى الكتابيين أنكى من جهل الأميين، وأن أهواء المتعلمين- إذا فسدوا- أغلظ وأشنع من مكايد السذج ... حين أرمق المجازر التى تجتاح أبناءنا، والحرائق التى تلتهم دورهم، وأرى الموارنة والصهاينة يتسابقون في تكثير ضحاياها، وكأنما يحققون أمانيهم في الدنيا، أقول إن هؤلاء وأولئك نسوا المثل القائل:"أبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما"إنهم يعتقدون أن هزيمة المسلمين اليوم هى القاضية، وأنه لن يبقى منهم من يؤسف على ما حدث له أو لآبائه ... إ! لا بأس، يجب أن ندفع ضريبة التخفف والفرقة والضعف، وإن فدح الثمن!. والغيب لله، فما ندرى أيكون الغد قصاصا لنا، أم امتدادا لمحنتنا؟؟ على أنه من الخسة أن تترك المآسى النازلة بنا دون نكير ودون تذكير!، وجمع هذه المآسى خلال قرون الضعف يحتاج إلى كتب مطولة، فهل نؤدى واجبنا؟ أمس القريب كنت في مدينة"خنشلة"الواقعة في أحضان جبال"الأوراس"بالجزائر قال لى صديق: ألا تزور قبور الشهداء؟ قلت: هذا حق، هيا بنا، وفي الطريق أشار إلى خندق مردوم ثم همس: كان العمال يحفرون هنا فوجدوا بقايا آدمية! وتتابع الحفر والتنقيب، فإذا هياكل عظمية لألف شهيد احتوتهم هذه المقبرة الجماعية، ومع عظام الموتى وجدت السلاسل التى تربطهم والقيود الحديدية التى كانت في معاصمهم!! إن القتلة حشدوهم هنا ثم حصدوهم بالمدافع الرشاشة ثم أهالوا عليهم التراب ليذهبوا مع الأمس الدابر! وهاجنى الغيظ وأنا أنظر إلى المكان كله، وأرى أنقاض الشباب الغص، والرجولات الباسلة، ومصارع الجباه الشريفة، والقلوب المؤمنة بيد الأوغاد من صليبيى العصر الحديث! وضحكت بجنون، وأنا أقول: لقد تركوا السلاسل والقيود لأ نهم صنعوا الكثير الكثير منها للأحرار والموحدين! ص _107