ومددت الطرف فإذا صديقى يقولى: إن الحكومة نقلت الرفات إلى هذه القبور التى ترى! وبنت متحفا يضم الوثائق لمقتل جزء واحد من ألف ألف وخمسمائة كف شهيد قدمتهم الجزائر لتحريرأرضها من فرنسا ابنة الكنيسة البكر كما يسمونها في أوربا .. ولتستعيد المساجد التى حولها الفرنسيون إلى كنائس حتى تنطلق منها أصوات التكبير والتوحيد كما كانت منذ شيدت .. ونظرت إلى القبور الجديدة، فخيل إلى أنها سطور منسقة ممتدة لأبيات قصيدة حزينة توحى بالأسى والبكاء. غير أن إيمانى عاودنى على عجل، إن الشهداء أحياء، وأرواحهم ترد أنهار الجنة وتأوى إلى قناديل معلقة تحت العرش، ولو عرض عليهم أن يعودوا إلى دنيانا هذه لرفضوا، ولو كانوا على ثراها ملوكا!! لا مكان للحزن، يجب أن أتجلد وأن أتعلم، وأن يعرف قومى فداحة ما يدفعون ثمنا لتفريطهم وضعفهم، إن ما وقع في المغرب العربى صورة لما يقع من أيام في الشرق الأوسط، وجنوب آسيا حتى الفلبين .. إن العالم الإسلامى يضرب ببأس، والجلادون طامعون قى إخماد أنفاسه ولذلك لا تدركهم رحمة .. وتذكرت ما نشرته جريدة الراية القطرية عن بعض أسرار صبرا وشاتيلا"أن أحد رجالى الكتائب أدرك شابا فلسطينيا يافعا، وكان ساقطا على الأرض في فوضى المذبحة، فأخذ يتواثب فوق جثمانه بحذائيه الثقيلين حتى أزهق روحه! لم هذا الحقد كله؟ لم هذه الوحشية كلها؟ يبدوأن الجبان إذا أمن على حياته فعل كل شىء .. قال لى صاحبى: أمحزون أنت لما يصيب المسلمين من كوارث في أرجاء العالم؟ قلت: ولم لا؟ إن الطعنة التى تصيب أحدهم في الفلبين أتأوه لها في القاهرة! فكيف إذا اشتعلت النار في دار الجار؟ قال: أتعلم ما يفلسف به رجال الدين هذه المآسى؟ يقولون: إننا نرد الصاع صاعين، لما فعله السيف الإسلامى قديما بمعارضيه! ص _108"