وإذا كانت الأقطار المفتوحة تشك صلف الغزاة، فإن عمر أبى إلا أن تعرف الشعوب معنى الحكم الجديد، فما كاد يسمع أن ابن عمرو بن العاص والى مصر أهان أحد الأقباط، حتى استدعى القبطى المظلوم، وأعطاه السوط ليجلد ابن الوالى القرشى المعتدى ... ! هل يعى تاريخ الفرس والروم، أو تاريخ الإنجليز والفرنسيين مثل هذا الدرس؟ وجاء الخليفة الثالث وليد شورى من كبار الصحابة، وكان رجلا ذا مال في الجاهلية والإسلام، عرك أذن خادم له من العبيد. فرأى أنه أوجعه، فأعطى أذنه هو للعبد قائلا: اقتص لنفسك، وخجل الخادم! وألغ عثمان لأنه يخشى يوم الحساب! إن فتنا عمياء أحاطت بهذا الخليفة- وهو من أنبل خلق الله- فطاحت به، وكان من ورائها ائتمار اليهود والمجوس وسذاجة العرب الذين يعرفون معارك النهار ولا يعرفون مؤامرات الظلام، ودسائس المهزومين من وثنيين وكتابيين .. وجاء الخليفة الرابع على بن أبى طالب، وهو رجل أوتى الحكمة والفروسية، وطلب الأخرة، وازدراء الدنيا، بل إن فضائل الإسلام التقت في إهابه وتمثلت في جهاده، وقد انتهت دولة الخلافة به، لأن مصابه فيمن حوله كان أشد من مصابه فيمن قاتله ... ! وتلاحظ على دولة الخلافة هذه الخصائص: أن الخليفة من أكفإ رجال الأمة وأقدرهم على قيادتها. وأن الشورى كانت مرعية، فلا افتيات، ولا استبداد. ولا استعلاء. وأن يد الخليفة في المال العام كانت مغلولة، فلا يستطيع توسعا، ولا استغلالا أبدا. وأن العمل بالإسلام وله في الداخل والخارج كان شغله الشاغل، ويمكن القول: إن الدولة في صدر الإسلا كان الوجه الجميل للرسالة الإلسلامية، وكانت صورة حسنة للأمة الإسلامية ... ثم بدأ تحول يجب عرضه بدقة، نشأ عن طبيعة العرب أنفسهم! فالعرب تشيع فيهم العصبية القبلية، ولهم اعتداد منكر بالأنساب والأحساب، ونزعاتهم الفردية طاغية. وقد قمع الإسلام هذه الجاهليات في سيرتهم، بيد! أن غرائز هذا الجنس القوى لم تلبث أن اقتحمت سياج الكبت، وفرضت نفسها على شعبة ص _013