يقال للدأبة حين لا يربطها حبل، ولا يقفها قيد، إنها سائبة، أو حبلها على غاربها، فهى تنطلق كيف تشاء! فماذا يقال للجماعة حين لا تربطها كلمة، ولا تضبطها عقيدة، ولا تقفها حدود من أخلاق أو تقاليد؟ إن الشاكين من هذا الوضع سموا ذلك تسيبا! والسيب أو التسيب كلمات عربية صحيحة، ولكنها ليست معالم عربية، ولا عرفا موروثا، وعندما نزنها بموازين الدين نجد كتابنا يعدها من معالم الفسوق والعصيان. وتدبر قوله تعالى: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا) . إن الجملة الأخيرة تدل على أن الأمر الفرط، أو الوضع السائب، أو المجتمع المحلول يجىء ثمرة غفلة القلب، واتباع الهوى، سواء أكان ذلك في أحوال النفس أم في أخلاق الجماعة! والحق أن الأمة الإسلامية أبعد الأمم عن هذا الانفراط في عقدها، أو التسيب في شئونها، أو الفوضى قى علاقاتها، لو أنها وفية لدينها، وقائمة على نهجه .. ويبدأ ذلك كله باحترام الكلمة، وإحاطتها بنطاق من الجد والصراحة، وفي الحديث الشريف، إذا حدثك الرجل بالحديث ثم التفت فهى أمانة"! وفي الحديث أيضأ"المجالس بالأمانة"ويقول الله سبحانه في وصف المؤمنين: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) . إن المجتمع المؤمن متماسك بعزائم الرشد، متعارف على حدود الله. وحقوق الناس، وربما استهان البعض بكلمة لغو، أو تورط في عمل ردىء، بيد أن هذا العوج لا يطول أمده، أو تتسع دائرته، لأن الإسلام الصحيح يرفض بشدة تسيب القطيع. ترى هل الموظف الذى يقول لصاحب الحاجة: تعال غدا، فإذا جاء الغد كرر التسويف مثنى وثلاث بأعذار شتى، أتظن ذلك امرءا يعرف قيمة الكلمة أو قيمة الوقت أو قيمة الوظيفة التى يشغلها؟ أم هو امرؤ سائب. عندما اقترحت بنت شعيب على أبيها أن يستأجر موسى ليدير أعماله قالت في تعليل اقتراحها: (قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين) ص _124"