الوقت نفسه تم توزيع الموارد والثروات- وقد تكاثرت جدا بفضل التقدم العلمى- على نحو مثير للعجب، ففى هذه السنة 1982، هلك خمسون مليون نسمة في العالم الثالث بسبب المجاعة وسوء التغذية. أما صانعو الحضارة فهم متخمون .. ومن الصعب أن نسمى تقدما ذلك المسار التاريخى الذى سلكته الحضارة الغربية. إن كدح البشر منذ ظهروا على وجه الأرض مهدد بالتوقف، بل لقد أصبح ميسورا لقلة من الناس أوتيت تفوقا صناعيا رهيبا أن تمحو كل أثرللحياة .. هناك رغبة عمياء في زيادة الإنتاج، إنتاج أى شىء دون تساؤل: لمن؟ ولماذا؟ ولعل الواقف وراء دولاب الصناعة لم يرفع نظره إلى السماء يوما، أو يتذكر ربه في لحظة رشد! وعلى الصعيد السياسى قامت علاقات داخلية وخارجية تتسم بالعنف، ومحور الصراع فيها مأرب الأفراد والطبقات والأم، ونزوع عام إلى الهيمنة وفرض الذات ... أما الصعيد الثقافى فيمتاز بفقدان المعنى والغاية، قامت"تقنية"غايتها التقنية لذاتها وعلم يبحث في العلم لذاته، وفن يخدم الفن وحده، حياة تتحرك دون هدف .. وفي مجال العقيدة اختفى مفهوم التسامى، والاستعلاء على الغرائز الدنيا، الكل أخلد إلى الأرض واتبع هواه، ليس للإنسانية صبغة طهور، ولا اتجاه إلى الله. الربانية أسطورة من آثار ماض سحيق، ولمن شاء أن يمضى هائما على وجهه غير مرتبط بنظام نفسى عتيد!". يقول (2) الأستاذ رجاء جارودى:"إن الثقافة المدعية المغرورة التى تعتمد عليها هذه الحضارة ترى حينا حصر الحياة في"الضرورة والصدفة"كما يزعم أحد علماء الأحياء، وترى حينا جعلها عاطفة جوفاء لا طائل تحتها- كما كتب أحد الفلاسفة- وترى حينا نسبتها إلى اللامعقول كما وصف أحد الروائيين، ولعل الإسفاف بلغ القدرة الصناعية المتفوقة، والكلمات شائعة في البلاد العربية، و-ممكن تعريبها. (2) تركنا الترجمة الحرفية لعدم وفائها بالمعنى، وتصرفنا بما يوضح غرض المحاضر ص _046