جماعة يوغلون في التنزيه إلى حد التجريد، وآخرون يبالغون في الإثبات إلى حد التجسيد، والقرآن الكريم بعيد عن المسلكين، ونحن لا نقبل إلا منهاجه، ولا نأخذ عقائدنا إلا من توجيهه الحق، ننطلق أو نتوقف وفق ما يريد. واللطيف أن العلم بعد ارتقائه المعاصر، يهدى إلى الله بالأسلوب القرآنى، لا بالفكر السطحى، ولا بالتعمق التائه، وقد تدبرت كتابات علماء الكون والحياة فوجدتهم استدلوا بالملكوت على صاحبه، وعنت وجوههم أمام عظمته، ثم استيقنوا بعد ذلك من عجزهم عن اكتناه ذاته، فتوقفوا مبهورين، ولو وضعت تجاه أعينهم آيات القرآن الكريم لقالوا: (ذلك ما كنا نبغ) . هذا ما نريدأن نقول، ولكننا لا نعرف. وتعابيرهم تدل على وحدة الشهود لا وحدة الوجود! فهم عالمون بأن المخلوق غير الخالق، وأن العالم غير مبدعه، غير أنهم يهتفون باسم الله عندما تبرق أمام أعينهم آياته، وتتكشف! الأسرار عن حكمته وقدرته! وهذا الهتاف عودة إلى الخالق، الذى نطقت صناعته بجلالته. قلت لنفسى يوما: ما أثقل هذه الأرض! ما أثقل جبالها وبحارها المحيطة وغير المحيطة، وصحاريها وبراريها ... من يحملها في هذا الفضاء، ويديرها أمام أمها الشمس؟ بل من يحمل الشمس نفسها- وهى عضو في مجرة هائلة- بين ألفى ألف مجرة تسبح في جو السماء؟ وهمست شفتاى بالجواب: من؟ إلا الله! ثم قلت: ذاك الخاطر بعض ما جاء في السنة الشريفة"سبحان الله وبحمده، عدد خلقه،! رضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته"ورجال العلم الحديث بعداء عن الجدل الفلسفى، والشقشقة اللفظية، فإذا نظر أحدهم إلى سنبلة قمح، أو كوز ذرة، فقال: الله! فلا يعنى إلا الإشارة بقدرة استخرجت من الطين هذا الحب المتراصن النضيد، وأبرزته سطورا سطورا كأنه قصيدة رائقة .. إنه المعنى السهل الذى لخصه الشاعر العربى بقوله:
وفي كل شىء له آية ... تدل على أنه الواحد .. !
وقد رأيت الإحساس بالله سيطر على بعض الكاتبين والعالمين والمتصوفين، فجاءت عباراتهم تدل على الله، أكثر مما تدل على العالم، وسر هذا الاستغراق الحسى أن الله