أهذه أمة تحمل رسالة عالمية؟ إن الذى يبتغى إصلاح الأفكار والمشاعر لا بد أن يدرس الفكر في كل قطر، وأن يستبطن أحوال الناس على أمل تزكيتها والتسامى بها. وما نستحى من اتهام أمتنا بالتفريط إلى حد الخيانة في خدمة دينها ولغتها وتراثها ويومها وغدها! إننا لم نكن نعرف أنفسنا فكيف نعرف غيرنا؟ وكنا قد نسينا ديننا! فبم نذكر الآخرين؟ وفاقد الشىء لا يعطيه .. إن الشريف حسين في الحرب العالمية الأولى صدق وعد الإنكليز له أن يكون ملك العرب، ناسيا أن الإنكليز وعدوا مصر بالجلاء عنها سبعين مرة، وما وفوا لها بوعد ... لقد كنا في العلوم المنقولة والمعقولة أصفارا، وكان تاريخنا الطويل صحراء لا معالم لها. ولو كنا على مستوى الإسلام لكان لنا باع طويل في كل فن، ولزاحمنا بالمناكب في كل الكشوف المادية والأدبية والعلمية التى هديت إليها الفطرة بعد سياحات يسيرة أو شاقة. والغريب أن ناسا من جلدتنا لا يزالون باسم الدين يريدون استبقاء قيود التخلف والضياع .. إن ذلك يؤكد الحاجة إلى علماء بحور، بحور في جميع المعارف الإنسانية، لا فارق بين معقول ومنقول، ولا بين ماديات وأدبيات، ولا بين غيبيات ومحسوسات. ووظيفة أولئك العلماء هى أولا: تخريج ذوى الأنصبة المحدودة التى أشرنا إليها في الفصل السابق، والتى تمثل المستوى الأدنى لرجل الشارع كما يقولون، أو للمسلم العادى. ثانيا: النظر في أساليب الدعوة العالمية وطرق شرح الإسلام خارج أرضه، ورد الشبهات التى مرد أعداؤه على ترديدها، وتوارثوا الشغب بها على الرسالة الخاتمة. ويؤلمنا أن هناك أزمة مخيفة في علماء الدين واللغة، وأن بقاياهم تنقرض دون عوض ظاهر. ص _082