نفسه، بين رجال الشريعة ورجال التربية، انتهى بجعل الأخلاق علما نظريا أو أدبا ثانويا! وجعل العبادات والمعاملات، عادات موروثة، وتقاليد متبعة! وبذلك تقطعت الصلات بين الأمة والدولة، ثم بين الأمة بعضها مع البعض الآخر، وابتعد الجميع عن روح الإسلام. والامم لا تقوم بهذا التآكل في روابطها الأولى، بله أن تؤدى رسالة عظيمة ... وأتعرض هنا لقضية واحدة: هل الدين قاس على المخطئين، يبيت لهم العقاب ويتربص بهم الدوائر، ويسعى للخلاص منهم؟؟ أم له موقف أحنى وأرعى بغية تألفهم واستصلاحهم؟ إن عيسى بن مريم لم يكن يشجع الزناة حين جاءوا له بامرأة عاثرة كى يرجمها فقال:، من كان منكم بلا خطيئة فليتقدم لرجمها .."إنه كان أولا يستبشع سيرة نفر من علماء اليهود يشتهون أن يروا الخطئ مطروحا للعقاب مفضوحا بين الناس، إنهم- بهذه الشهوة- ليسوا أفضل من الزانية. وكان ثانيا يريد إعطاء العاثر فرصة يستعيد فيها رشده، ويصلح نفسه، فمهمة الدين إذا رأى عاثرا أن يعينه على النهوض، لا أن يتقدم للإجهاز عليه. وعيسى في هذا شبيه بمحمد- عليهم جميعا السلام- الذى كان يلفن المقر بالزنا كلمات الرجوع والنجاة من الموت .. ولسنا بتاتا نلغى وظائف الشرطة والقضاة، أو نهون من شرائع الحدود والقصاص .. فالقانون الخلقى باق، والقانون الجنائى باق، وكلاهما له نطاقه الذى يعمل فيه، وكلاهما ضرورة اجتماعية ... إننا نريد أن ننفى عن الدين تهمة القسوة، متذكرين مع ذلك قول الشاعر:"
فقسا ليزدجرواومن يك راحما ... فليقس أحياناعلى من يرحم
والناس معادن، وللمعدن الواحد أحوال يصفو فيها ويكدر، وسنة صاحب الرسالة الخالدة أن الإمام يخطئ في العفو خير من أن يخطن في العقاب ...