ولينظر المسلم معى في هذه الآثار: جاء في الصحيح عن أبى أمامة- رضى الله عنه- وكان من أهل الصفة- قال: بينما أنا قاعد مع رسول الله في المسجد جاءه رجل فقال: يا رسول الله، إنى أصبت حدأ فأقمه على، فسكت عنه رسول الله، ثم قال: يارسول الله إنى أصبت حدأ فأقمه على، قالها الرجل ثلاث مرات، وأقيمت الصلاة، فلما انصرف تبعه الرجل! قال أبو أمامة: فاتبعته أنظر ما يرد عليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله إنى أصبت حدا فأقمه على، فقال له: ألست حين خرجت من بيتك قد توضأت فأحسنت الوضوء؟ قال: بلى! قال: وشهدت الصلاة؟ قال: نعم! قال: إن الله قد غفر لك حدك… وروى عن أبى الدرداء أنه أتى له بامرأة سرقت- ليحقق معها ويعاقبها- فقال لها أبو الدرداء: سرقت؟ قولى: لا .. ! وهو تلقين غريب! ولكنه يشيرإلى طبيعة الدين في درء الحدود والتنفيس عن الخاطئين. وقرأت أن مرتدا سيق إلى المأمون لينال عقوبته، فرأى المأمون أن يحاوره، قال له: كلامك معى لا يضرك وقد ينفعك، ومن الخير أن تزداد بصيرة في أمرك، فربما بقيت على ما أنت عليه بعد هذا الحوار، وربما تكشف لك ما يرجعك إلى ما كنت فيه، والحازم لا يضيع فرصة عرضت. وإليك نصى الحوار كله نثبته لما فيه من فائدة:"يروى أن المأمون أتى بمرتد عن الإسلام إلى النصرانية فقال له: أخبرنا عن الشىء الذى أوحشك عن ديننا بعد أنسك واستيحاشك مما كنت عليه، فإن وجدت عندنا دواء دائك تعالجت به. وإن أخطأك الشفاء ونبا بك عن دائك الدواء كنت قد أعذرت، ولم ترجع على نفسك بلائمة. فإن قتلناك قتلناك بحكم الشريعة، وترجع أنت في نفسك إلى الاستبصار والثقة، وتعلم أنك لم تقصر في اجتهادك، ولم تفرط في الدخول في باب الحزم. قال المرتد: أوحشنى ما رأيت من كثرة الاختلاف فيكم. قال المأمون: لنا اختلافان: أحدهما كالاختلاف في الأذان والإقامة، وتكبير الجنائز والتشهد، وصلاة الأعياد وتكبير التشريق، ووجوه القراءات، ووجوه الفتيا، ص _098"