الرحمة الإلهية كعلاج شاف وحض كاف على حفظ القرآن، وتأليف القلوب عليه. روى الحافظ أبو يعلى في مسنده الكبير أن عثمان قال يوما وهو على المنبر: أذكّر الله رجلا سمع النبى صلى الله عليه وسلم قال: = إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف = لما قام، فقاموا حتى لم يحصوا، فشهدوا فقال عثمان: = وأنا أشهد معهم =.
فهذا الجم الغفير من الصحابة قد شهد على أن القراءات السبعة منزلة ومعنى شاف، أى موافق للذوق ومتناسق مع الميول ورغائب القلوب ومعنى كاف [1] ، أى أن هذه الحروف تستوفى جميع لحون العرب ولهجاتها وتستوفي مخارج الحروف المختلفة. وفى حديث عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم الذى رواه البخارى ومسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أقرأ كلا منهما فقرأ بما تعلمه منه صلى الله عليه وسلم: = إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه = [2] لقد كان العربى يعتز بلغته ويلتصق بلهجته التى في حجرها نشأ وبلبنها غذى وترعرع وعن طريقها عبر عن نفسه وتواصل مع غيره.
يقول ابن مهدية من قصيدة له:
ولا تاركا لحني لأحسن لحنهم * * * ولو دار صرف الدهر حيث يدور واللحن في البيت معناه اللغة أو اللهجة [3] .
ويتساءل أبو عبد الله الشجرى متعجبا: = أرأيت إنسانا يتكلم بما ليس في لغته؟ = [4]
وهذا يدل إلى إعجاب كل قبيل بلغته وبلهجته، وبخاصة العرب الذين ضربوا المثل في الاعتزاز بلغتهم.
والعرب يطلقون اللغة وهم يعنون ما نعرفه نحن في عصرنا الحديث باللهجة أو اللحن. وهم لم يستعملوا كلمة لهجة بالمعنى الاصطلاحي على الرغم من وجودها في لغتهم [5] .
ولذلك جاءت كتبهم في هذا المجال تحمل هذه العناوين:
(1) المصدر نفسه والموضع والزرقانى مناهل 1/ 39.
(2) المصدر نفسه ص 147وانظر أيضا أرثر جفرى. مقدمتان في علوم القرآن. وهما مقدمة كتاب المبانى، ومقدمة ابن عطية. القاهرة الخانجى 1954، ص 219218.
(3) أبو الفتح عثمان بن جنى الخصائص تحقيق محمد على النجار القاهرة دار الكتب المصرية 1371/ 1952/ 239.
(4) المصدر نفسه ص 242.
(5) انظر: ابن منظور لسان العرب مادة لهج.