فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 386

إن الكاتب محكوم في هذا الزعم بقالب فكرى جامد، وفرضية تخمينية هزيلة، وهى أن التوراة والإنجيل، هما وحدهما الكتابان المقدسان، وأن القرآن إنما هو تقليد لهما، أو اقتباس منهما وسوف نرى عند تناولنا لموضوع ترجمة معانى القرآن، أن المترجمين الغربيين، بصفة عامة، قد انطلقوا من قاعدة هشة واحدة، وهى أن القرآن من وضع محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه كتاب محرف، ومتناقض، وليس وحيا من عند الله، إلى درجة أن إبراهيم جيجر اليهودى الألمانى، قد زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد اطلع على التوراة، وكتب الأنبياء، وعلى التلمود، والمشناة في اللغات المختلفة العبرية والآرامية كذلك، هذا على الرغم مما سبق أن قررناه أن النبى صلى الله عليه وسلم كان أميا. وأن هذه الكتب لم تكن قد ترجمت بعد إلى العربية. وعلى فرض أن محمدا كان قارئا وهو ما لم يثبت البتّة، فإن الكاتب يتجاهل الشواهد القرآنية

الكثيرة، التى قدمنا أمثلة كافية منها للتدليل على أن القرآن كان معروفا منذ نزوله بهذا الاسم للمسلمين ولمشركى مكة جميعا بل إنه كان معروفا أيضا للجن فهم قد سمعوه وتأثروا به أبلغ التأثر، ووصفوه بقولهم: {قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} (2) (الجن: 21) وبقولهم كذلك: {إِنََّا سَمِعْنََا كِتََابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى ََ مُصَدِّقًا لِمََا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى ََ طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ} (30) (الأحقاف: 30) ، ثم آمنوا به وصدقوه بل ودعوا قومهم إلى الإيمان به وإلى تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا: {يََا قَوْمَنََا أَجِيبُوا دََاعِيَ اللََّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذََابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لََا يُجِبْ دََاعِيَ اللََّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيََاءُ أُولََئِكَ فِي ضَلََالٍ مُبِينٍ} (31) (الأحقاف: 3231) وفى نهاية الفصل لا يفوتنا أن ننبه على المغمز الاستشراقى في كلام ويلش، الذى دسّه في ثنايا كلامه، يقول: = إن القرآن لم يكتب في صورته النهائية، إلا بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كنا سنناقش هذه الدعوى في موضع آخر من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، إلا أننا ننبه باختصار، أن القرآن الكريم قد كتب على الورق، وسعف النخيل، واللخاف، والرقاع، وغيرها، في حياة محمد صلى الله عليه وسلم سجله كتّاب مخصوصون، عرفوا بكتّاب الوحى كما كتبه بعض الصحابة ممن يجيد القراءة والكتابة لأنفسهم. وكان القرآن كله مجموعا، ومحفوظا، في حجرة نوم النبى صلى الله عليه وسلم كذلك كان القرآن محفوظا في صدور المسلمين، رجالهم، ونساؤهم، وأطفالهم وما بالك بكتاب لا تتمّ الصلاة إلا به، ولا يدار الحكم إلا بمقتضاه، ولا تتم الأنكحة، والجنائز إلا بتلاوته.

يقول ويلش إن لفظ = القرآن = والمصدر الذى اشتق منه القرآن كتاب المسلمين المقدس لا يمكن أن يفهم فهما كاملا إلا إذا أخذنا في الاعتبار مدلولات بعض ألفاظ أخرى لها تعلق كبير بهذا اللفظ، وبخاصة الألفاظ مثل = آية =، = كتاب =، = سورة =، = ذكر =، = مثانى =، = حكمة =، ونحوها. إذ أن لكل لفظ، من هذه الألفاظ، معناه المتميز أصلا في القرآن ولكن في بعض المواضع تأتى هذه المفردات في قرائن تقترب في معانيها من مفهوم = القرآن = كمصطلح كما سيتضح فيما يلى:

مفهوم لفظة = آية = في القرآن بدأ الكاتب كلامه بمحاولة إرجاع لفظة = آية = إلى اللغة العربية والسريانية، وكأن هاتين اللغتين هما أصل العربية، وأصل اللغة القرآنية وإنه لغريب حقا، أن يبحث الكاتب أولا عن الكلمة في غير لغتها، مما يجعله يبدو، وكأنه يجزم بوجود أصل معروف للغة العرب، ومن ثم لمفردات القرآن، لا يعرفه أحد إلا هو وبعض المستشرقين، وهذا في حد ذاته ليس بالمنهج العلمى.

ويضيف ويلش قائلا: إن المعنى الأصلى لكلمة = آية = العربية، وأوث العبرية، وآثا السريانية واحد. وتعنى هاتان الكلمتان علامة، ودلالة على بعض الأشياء الغيبية، كالحق أو الحقيقة. ولكن اشتقاق الكلمة غير معروف على وجه اليقين، وأنه من الطبيعى جدا أن تكون لفظة = آية = مأخوذة من (أوهـ) ، والتى تتوافق مع الكلمة العبرية آوه. لكن فعل هذا الأصل لا وجود له في اللغة العربية، كما هو واضح في ذهن الكاتب، وبالتالى فإنه من الصعب ادعاء أن كلمة = آية = القرآنية مأخوذة من أيّ من هاتين اللغتين.

ذكر المستشرق نفسه أن لفظة = آية = وردت في القرآن بصيغة المفرد والجمع حوالى 400مرة، ومعظمها يدور حول الآيات الكونية، التى تثبت وجود الله ووحدانيته، وقيامه بحاجات العباد، واستحقاقه وحده بالشكر والثناء.

وبمراجعة المواضع التى ذكرت فيها لفظة = آية = وجدنا أنها ذكرت في القرآن الكريم 382مرة، بالتحديد في 60سورة، تبدأ بسورة البقرة، وتنتهى بالبلد وتتنوع هذه السور بين المكى والمدنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت