بعد أن ناقش ويلش الفاصلة أو الجملة المتكررة في القرآن كما عرضناه وحللناه، يتناول هنا النظام الداخلى للنص القرآنى، وقصص الأنبياء في الكتاب فيلاحظ عليها ما يلى:
أولا تكرار بعض الجمل بعينها مما أجراه القرآن على ألسنة الأنبياء.
ثانيا تكرار هذه القصص في السور المختلفة ببعض الاختلافات بالزيادة أو النقصان.
من النوع الأول يشير ويلش إلى القصص الخمس التى تدور موضوعاتها حول عقاب الله لبعض الأمم الماضية، كما وردت في سورة الشعراء، حيث يستعمل القرآن في المواضع الخمسة الجملة التمهيدية نفسها، إلى جانب الفواصل أو المقاطع المسجوعة: {إِذْ قََالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلََا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللََّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمََا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلََّا عَلى ََ رَبِّ الْعََالَمِينَ} (109) (الشعراء: 106: 109) ، والفرق الوحيد في الأربع صيغ الباقية يتمثل في أشخاص هؤلاء الذين توجّه إليهم الخطاب الإلهى، كعاد، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة.
وكتعليق سريع على هذه النقطة نقول إنه لا ضير في تكرار جمل بعينها على ألسنة الأنبياء، فدعوات الأنبياء كلها واحدة وبخاصة دعوتهم إلى الله، وإلى الوحدانية وأصول الاعتقادات والنبوات وإرشاد الناس إلى التقوى ومكارم الأخلاق وتعريف النبى بنفسه وبمنهجه كمبلغ عن الله، وغايته ومقصده، وبتجرده وإخلاصه، فمنهج يتفق فيه جميع الأنبياء ولهذا جاء كلامهم بالعبارات نفسها تقريبا.
يشير الكاتب بعد ذلك إلى سورة (الأعراف) ويقول إن نظاما جديدا قد ظهر هنا في إيراد القصة إذ أن حوالى ثلثى العبارات أو المعلومات التى أجريت على لسان نوح عليه السلام قد أجراها القرآن هى نفسها على لسان هود: {لَقَدْ أَرْسَلْنََا نُوحًا إِلى ََ قَوْمِهِ فَقََالَ يََا قَوْمِ اعْبُدُوا اللََّهَ مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخََافُ عَلَيْكُمْ عَذََابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قََالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ}
{إِنََّا لَنَرََاكَ فِي ضَلََالٍ مُبِينٍ (60) قََالَ يََا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلََالَةٌ وَلََكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعََالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسََالََاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللََّهِ مََا لََا تَعْلَمُونَ} (62) (الأعراف: 59: 62) وقارن ذلك بهذه الآيات: {وَإِلى ََ عََادٍ أَخََاهُمْ هُودًا قََالَ يََا قَوْمِ اعْبُدُوا اللََّهَ مََا لَكُمْ مِنْ إِلََهٍ غَيْرُهُ أَفَلََا تَتَّقُونَ (65) قََالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنََّا لَنَرََاكَ فِي سَفََاهَةٍ وَإِنََّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكََاذِبِينَ (66) قََالَ يََا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفََاهَةٌ وَلََكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعََالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسََالََاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نََاصِحٌ أَمِينٌ} (68) (الأعراف: 65: 72) .