وبالنسبة لما يقوله بل بخصوص طبيعة القرآن فإننا نوافقه في أن القرآن قد نفى أن يكون محمد شاعرا، ولكنا نختلف معه فيما ذهب إليه من أن طبيعة القرآن تعليمية وليست أدبية ولا فنية بحتة في أشكالها المختلفة، نقول إن هذا تعميم في الحكم وهو خطأ منهجي كبير إذ أنه يجرد القرآن من أعظم وجه من وجوه إعجازه وأجلاه، وهو الشكل الأدبي والتركيب الإبداعي العجيب، وهو أمر مرفوض عقلا واعتقادا.
يتناول المستشرق ويلش موضوع الأقسام في القرآن وهو من الموضوعات المهمة والحساسة، وقبل أن نعرض لآرائه، نقدم نبذة مختصرة للأقسام القرآنية تكون بمثابة القاعدة والمعيار للمناقشة. اهتمت كتب التفسير بهذا الموضوع في الموضع والقرائن المتفرقة التى ذكرت فيها الأقسام، وقد أفرده الإمام ابن القيم الحنبلى (ت: 751هـ) بمؤلف سماه = التبيان في أقسام القرآن =.
وينبغى أن نعرف أن القصد من = القسم = في القرآن هو تحقيق الخبر وتوكيده، والأقسام تختلف في صيغها ومواضعها في القرآن الكريم، وكما سنرى فإنها ليست قاصرة على السور القصيرة ولا السورة المنزلة في بداية الوحى. والقسم لا يكون إلا باسم معظم أو بشيء عظّمه الخالق تبارك وتعالى ودل على نفسه به فيكون القسم من ثم تأكيدا للكلام وعقدا للبر والصلة بين الحالف والمحلوف له، وحرصا من الله على هداية خلقه بكل سبيل لأن من حلف لك وهو أقوى منك وأجل وأعظم وهو مالك رقبتك، ومنه مبتداك ومنتهاك، فقد عظم قدرك ورفعك فوق مكانتك. وإن في القسم كذلك تنبيه على فضل المقسم به، وخطر المقسم عليه فقد أقسم الله تعالى بنفسه في سبعة مواضع من القرآن، قوله تعالى: {قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ}
(يونس: 53) ويونس ليست سورة قصيرة ولا هى من أوائل ما نزل من القرآن وهذا مما يحسن التنبيه عليه لتعلقه بزعم الكاتب، كما سنرى قريبا، وقوله: {قُلْ بَلى ََ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} (التغابن: 7) وهذه السورة كلها مدنية والمقسم عليه في السورتين هو البعث أو المعاد وهو أمر واضح كل الوضوح، وقوله: {فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيََاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا} (68) (مريم: 68) وهذه السورة مكية ولكنها ليست من أوائل ما نزل من القرآن أيضا، وهى واضحة من حيث الموضوع الذى هو الحشر والإعادة الذى ينازع فيه الكفار والملاحدة في كل عصر وفى كل مصر، وقوله تعالى: {فَلََا وَرَبِّكَ لََا يُؤْمِنُونَ حَتََّى يُحَكِّمُوكَ فِيمََا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لََا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمََّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (65) (النساء: 65) وهذه السورة كلها مدنية، وقوله تعالى: فَلََا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشََارِقِ وَالْمَغََارِبِ إِنََّا لَقََادِرُونَ (40) عَلى ََ أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ
وَمََا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41) (المعارج: 4140) ثم إن تعبير = قصص العقوبات = الذى اختاره المعارض تعبير انحيازي، إذ أنه يوحي للقارئ بأن قصص القرآن إنما جاءت للتخويف والردع وهذا في حد ذاته يصور الإسلام على أنه دين العنف والقسوة وهذا محض افتراء وجهل بالقرآن وبرسالة الإسلام جملة.