وينبغى أن نعرف أن القصد من = القسم = في القرآن هو تحقيق الخبر وتوكيده، والأقسام تختلف في صيغها ومواضعها في القرآن الكريم، وكما سنرى فإنها ليست قاصرة على السور القصيرة ولا السورة المنزلة في بداية الوحى. والقسم لا يكون إلا باسم معظم أو بشيء عظّمه الخالق تبارك وتعالى ودل على نفسه به فيكون القسم من ثم تأكيدا للكلام وعقدا للبر والصلة بين الحالف والمحلوف له، وحرصا من الله على هداية خلقه بكل سبيل لأن من حلف لك وهو أقوى منك وأجل وأعظم وهو مالك رقبتك، ومنه مبتداك ومنتهاك، فقد عظم قدرك ورفعك فوق مكانتك. وإن في القسم كذلك تنبيه على فضل المقسم به، وخطر المقسم عليه فقد أقسم الله تعالى بنفسه في سبعة مواضع من القرآن، قوله تعالى: {قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ}
(يونس: 53) ويونس ليست سورة قصيرة ولا هى من أوائل ما نزل من القرآن وهذا مما يحسن التنبيه عليه لتعلقه بزعم الكاتب، كما سنرى قريبا، وقوله: {قُلْ بَلى ََ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} (التغابن: 7) وهذه السورة كلها مدنية والمقسم عليه في السورتين هو البعث أو المعاد وهو أمر واضح كل الوضوح، وقوله: {فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيََاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا} (68) (مريم: 68) وهذه السورة مكية ولكنها ليست من أوائل ما نزل من القرآن أيضا، وهى واضحة من حيث الموضوع الذى هو الحشر والإعادة الذى ينازع فيه الكفار والملاحدة في كل عصر وفى كل مصر، وقوله تعالى: {فَلََا وَرَبِّكَ لََا يُؤْمِنُونَ حَتََّى يُحَكِّمُوكَ فِيمََا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لََا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمََّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (65) (النساء: 65) وهذه السورة كلها مدنية، وقوله تعالى: فَلََا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشََارِقِ وَالْمَغََارِبِ إِنََّا لَقََادِرُونَ (40) عَلى ََ أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ
وَمََا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41) (المعارج: 4140) ثم إن تعبير = قصص العقوبات = الذى اختاره المعارض تعبير انحيازي، إذ أنه يوحي للقارئ بأن قصص القرآن إنما جاءت للتخويف والردع وهذا في حد ذاته يصور الإسلام على أنه دين العنف والقسوة وهذا محض افتراء وجهل بالقرآن وبرسالة الإسلام جملة.
ونضيف إلى هذه الأقسام السبعة قوله تعالى: {فَوَ رَبِّ السَّمََاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مََا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} (23) (الذاريات: 23) وقد ضم بعضهم ما تضمن لفظ الشهادة في القرآن لهذه الأقسام كما جاء في فى قوله تعالى: {وَاللََّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنََافِقِينَ لَكََاذِبُونَ} (1) (المنافقون: 1) [1] وذلك لأن الشهادة إنما سبقت لتوكيد الخبر وهو عمل القسم، لذا سمى قسما، وهذه الأقسام انعقدت بذات الله تعالى في ستة مواضع منها توجه القسم لرسول صلى الله عليه وسلم، وفى السابعة جاء القسم مباشرة من الله تعالى. والمقسوم عليه في ستة مواضع هو البعث والنشور، وواحد منها لتأكيد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وضرورة قبول حكمه والنزول على قضائه (كما في النساء: 65) وباقى صور القسم الأخرى، أقسم الله عز وجل فيها بمخلوقاته، ويجب أن يكون معلوما أن الله أن يعظم ما شاء ومن شاء من خلقه وأن يقسم بما شاء منها ولكن ليس لأحد من البشر أن يقسم بغير الله تعالى كما قال الحسن رضي الله عنه وقال ابن أبى الأصبع في = أسرار الفواتح = في تعليل القسم بالمخلوقات، = القسم بالمصنوعات يستلزم القسم بالصانع =.
يقول ابن عطية أن الله أقسم ببعض مخلوقاته (تنبيها منه وتشريفا، وليكون ذلك سبب النظر فيها والاعتبار بها وذلك يؤول إلى التوحيد والمعرفة بحقوق الله تعالى [2] .
قال أبو القاسم القشيري: القسم بالشيء لا يخرج عن وجهين إما لفضيلة أو لمنفعة فالفضيلة كقوله: {وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهََذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} (3) والمنفعة نحو قوله: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} (1) ، ونستدرك على إمامنا الجليل، إن المنفعة والفضيلة قد توجدان معا في الشيء المقسم به نفسه كما في القسم بالطور وهو الجبل المعروف فقد اجتمعت فيه الفضيلة والمنفعة معا أقسم الله به لفضله على الجبال فهو مهبط وحى الله، ولأن له دورا في حفظ توازن الأرض والاحتواء على بعض المعادن والمواد النافعة، ونلفت النظر هنا إلى نقطة مهمة وهى أن القسم
(1) السيوطى. الإتقان. 4/ 46.
(2) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 14/ 47.