بعد هذا التمهيد ننتقل إلى ما قاله الكاتب في هذا الموضوع، يقرر ويلش: = أن القرآن يتجاوب باطراد وثبات، وفى حالات كثيرة بوضوح مع الموقف التاريخى لمحمد صلى الله عليه وسلم يمده بالشجاعة في أوقات المحنة والاضطهاد، يجيب على أسئلة أتباعه وخصومه على السواء، يعلق على حوادث معاصرة، يقدم العقائد والقواعد الأساسية للجماعة المسلمة والتى لم تظهر في القرآن وفق نظام التسلسل التاريخى للأحداث أو التشريعات، وإنما في أوقات متراخية وعلى مراحل غير واضحة دائما (من حيث ظرفها الزمنى) . إذ أن هناك تعارض وعدم اتساق ظاهرين، في عرض مجموعة العقائد، ومجموعة التشريعات القرآنية كلتيهما على أن العقائد والتشريعات تغير وتبدل أحيانا في القرآن، وذلك لمجرد المجاراة لموقف جديد، لذا وجب أن نعرف التواريخ التقريبية أو الأوضاع التاريخية لبعض الآيات، أو على الأقل معرفة التسلسل الزمنى لآيات أخرى إذا كان فهمها فهما كاملا أمرا ممكنا = إن هذه المشكلة، أى مشكلة التعرف على تواريخ الآيات أدركها علماء المسلمين المتقدمين وأولوها أهمية كبرى وتكلموا فيها في القرون القليلة الأولى من بداية الإسلام حتى ظهر واستقر ذلك النظام الصارم (إلى حد بعيد) لتاريخ القرآن وحصل على موافقة أو رضا الأصولية =.
ويستمر ويلش في عرض وجهة نظره قائلا: = يرجع الفضل في تطوير هذه الدراسة في العصر الحديث إلى الباحثين الغربيين الذين لم يستطيعوا بدورهم أن يصلوا من خلال دراساتهم إلى درجة الإجماع في وضع نسق تاريخى ثابت للقرآن أو حتى إلى احتمالات يمكن معها وضع مثل هذا النسق =.
نتفق مع الكاتب في هذا التقرير، بشكل عام إذ أننا لا يمكن أن نتجاهل ما قام به المستشرقون من جهود في جمع المخطوطات وتصنيفها أو تحقيقها ودراستها، ولا
دورهم كذلك في البحث في تاريخ القرآن، ولكننا نتحفظ على هذا الكلام من حيث النتائج التى يسعى ويلش إلى تقريرها من خلال هذه المقدمات. وقد تكلمنا ببعض التفصيل عن طبيعة القرآن، في موضع آخر من هذا الكتاب وقلنا إنه ليس كتابا تاريخيا، وإنه يختلف عن كتب اليهود والنصارى التى اهتمت بالتأريخ ورصد الوقائع التاريخية التى ثبت خطؤها بالدراسة والبحث في العصر الوسيط على أيدى علماء الدين المقارن المسلمين وعلى أيدى المفكرين الأحرار في الغرب في العصر الحديث.