الأمثال من الوسائل القرآنية في إيصال التعاليم الإلهية والدروس الربانية إلى قلوب المخاطبين بالقرآن، وتجسيد المعانى اللطيفة المراد غرسها في النفوس أو تقريبها للأذهان، وقبل أن نعرض لكلام الكاتب في هذا الصدد، نود أن نعرف المثال أو المثل ما هو! أصل المثل من المثول يعنى الانتصاب والاستواء والممثل، المصور على مثال غيره.
يقال مثل الشيء، أي انتصب أو تصور ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: = من أحب أن تمثل له الرجال فليتبوأ مقعده من النار = [1] ، والتمثال الشيء المصور على هيئة مخصوصة، سمى كذلك لأنه يتمثل للعين أو يمثل شيئا ما ويكون على مثاله، فهو ليس أصلا، أو يقال تمثّل كذا أى تصوره في ذهنه، أو ظهر له على شكل كذا قال تعالى: {فَتَمَثَّلَ لَهََا بَشَرًا سَوِيًّا} (17) (مريم: 17) أى بدا لها الملاك جبريل عليه السلام كذلك على هذه الصورة البشرية، ولو جاءها على أصل خلقته الملائكية لما تحملت رؤيته، وتمثل البيت من الشعر أى أنشده في موقف يشبه الموقف الذى قيل فيه هذا البيت. وامتثل لكذا أى خضع له، وامتثل مثال فلان، احتذى حذوه، والتزم طريقه وسلكها وتبعها فلم يحد عنها [2] .
ومثل الشيء صفته قاله الجوهرى وقال ابن سيدة وقوله عز وجل: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} (محمد: 15) أي صفتها، وقد تعنى خبرها وحكايتها أو تمثيلها.
ومثل يمثل يعنى زال عن موضعه، وبمعنى ذهب أيضا، ومثّل بالرجل يمثل مثلا ومثلة، كلاهما نكّل به، وهو المثلة والمثلة بفتح الثاء وتسكينها وهى في قوله تعالى:
{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلََاتُ} (الرعد: 6) ومعناها يستعجلونك بالعقاب الذى تهددناهم به وتوعدناهم عليه ولم نعاجلهم به، وقد علموا ما نزل من عقوباتنا بالأمم الخالية فلم يعتبروا بهم، وكأن المثل مأخوذ من المثل لأنه إذا شنّع في عقوبته جعله مثلا وعلما.
ومنه مثّل بفلان أى عبث بجثته وشوهها وفى الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: = نهى أن يمثّل بالدواب وأن تؤكل الممثول بها = [3] . وامتثل منه اقتص، والمثال القصاص.
والمثال الفراش في الحديث أنه دخل على سعد وفى البيت مثال رث أى فراش
(1) الترمذى. أدب 13وهو بلفظ = من سره أن يتمثل له الرجال قياما = الحديث
(2) ومنه شعرا: رباع لها مذ أورق العود عنده ... خماشات ذحل ما يراد امتثالها
قاله ذو الرمة في وصف الحمار والأتن [لسان العرب 11/ 614] .
(3) الحديث بتغيير لفظى يسير ابن ماجة ذبائح وفى مسند أحمد (2) 15613798.