الفصل الأول رأي علماء السلف في الترجمة الفصل الثانى الترجمات المختلفة للقرآن الكريم
إذا كان القرآن معجزة في لغته، لم يستطع أحد من أرباب البيان وأحبار اللغة العربية، نثرها وشعرها أن يأتوا بمثله، كله أو بعضه. فكيف إذن نتوقع أن ينقل القرآن إلى لغة أخرى، أى لغة كانت. إن العرب يعتزون بلغتهم، ويحتفون بها، إلى درجة يمكن معها القول بأن تاريخهم كله، وحضارتهم كلها، قامت على أساس لغوى أدبى، وكما أن الله اختار محمدا من بين خيرة الناس، اختار الله تعالى اللغة العربية كذلك من بين أحسن اللغات الإنسانية ليضمنها معانى القرآن، ويحملها مفاهيم الوحى، ومضامين الرسالة الإلهية الخالدة، ويجعلها في الوقت نفسه رابطة أهل الإيمان وجامعة أهل القرآن.
يقول الوزير أحمد بن سعيد بن حزم والد إمام أهل الأندلس على بن حزم وشيخه:
= إنى لأعجب ممن يلحن في مخاطبة أو يجيء بلفظة قلقة في مكاتبة، لأنه ينبغى له إذا شك في شئ يتركه، ويطلب غيره، فالكلام أوسع من هذا [1] ويقول الباقلانى: = إنا لا نجد في القدر الذى نعرفه من الألسنة للشيء الواحد من الأسماء ما نعرف من اللغة (أي العربية) ، وكذلك لا نعرف فيها الكلمة الواحدة تتناول المعانى الكثيرة على ما تتناوله العربية، وكذلك التصرف في الاستعارات والإشارات، ووجوه الاستعمالات البديعة = [2] .
والكلام في سعة لغة العرب، ووفرة مفرداتها وعجيب توليداتها، وترامى آفاقها، محل إجماع بين أئمة هذه اللغة، والمنصفين من أهل اللغات الأخرى ممن درسوا العربية.
ولذلك كان من الطبيعى أن يبقى القرآن محفوظا ومدروسا في لغته التى تحددت له بطريق الوحى، والقرآن ذاته يعي جيدا عظمة ذاته، وعلو رتبة لغته على سائر اللغات، وقد وردت بسمو جماله وشموخ إعجازه الآيات الكثيرة. ولقد أقبل الناس على القرآن يحفظونه، ويدرسونه، ويعملون به، يرتلونه في صلواتهم ومناسباتهم الدينية، وفى مجامعهم
(1) أبو عبد الله الحميدى (488 هـ) جذوة المقتبس القاهرة دار المعرفة 1966 ص 126
(2) الباقلانى. إعجاز القرآن ص 55.